انهار
انهار
مطالب خواندنی

الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين

بزرگ نمایی کوچک نمایی

ويشترط في انعقادها البلوغ والعقل والقصد والاختيار؛ فلاتنعقد من الصبيّ وإن بلغ عشراً وقلنا بصحّة عباداته وشرعيّتها، لرفع قلم الوجوب عنه، وكذا لا تصحّ من المجنون والغافل والساهي والسكران والمكره؛ والأقوى صحّتها من الكافر وفاقاً للمشهور فياليمين، خلافاً لبعض، وخلافاً للمشهور فيالنذر، وفاقاً لبعض؛ وذكروا في وجه الفرق عدم اعتبار قصد القربة في اليمين واعتباره في النذر، ولاتتحقّق القربة فيالكافر. وفيه أوّلا: أنّ القربة لاتعتبر فيالنذر بل‌هو مكروه وإنّما تعتبر في متعلّقه، حيث إنّ اللّازم كونه راجحاً شرعاً؛ وثانياً: أنّ متعلّق اليمين أيضاً قد يكون من العبادات؛ وثالثاً: أنّه يمكن قصد القربة من الكافر أيضاً؛ ودعوى عدم إمكان إتيانه للعبادات لاشتراطها بالإسلام(1)، مدفوعة بإمكان إسلامه ثمّ إتيانه، فهو مقدور لمقدوريّة مقدّمته، فيجب عليه حال كفره كسائر الواجبات، ويعاقب على مخالفته ويترتّب عليها وجوب الكفّارة في عاقب على تركها أيضاً، وإن أسلم صحّ إن أتى به ويجب عليه الكفّارة لو خالف، ولايجري فيه قاعدة جبّ الإسلام، لانصرافها عن المقام(2)؛ نعم، لو خالف وهو كافر وتعلّق به الكفّارة فأسلم، لايبعد دعوى سقوطها عنه كما قيل.

 1- الفیاض: تقدم الاشکال في شرطیة الإسلام في صحة العبادات.

2- الفیاض: هذا لا من جهة الانصراف، فان حدیث: «إن الإسلام یجب ما قبله» لم یثبت حتی یدعی انصرافه، بل من جهة أن السیرة النبویة قد جرت علی ذلک، فانه مع کثرة اعتناق الکفار بالاسلام ودخولهم فیه لم یرد منه6 في طول تاریخ حیاته الشریفة، ولا في مورد واحد أمر الکافر بعد اسلامه بقضاء ما فات منه في زمن کفره، ثم ان مناسبة الحکم والموضوع الارتکازیة تقتضي أن ذلک نوع مکافئة لهم من الرسول الاکرم6، ومن الواضح أن ذلک یستدعي اختصاص الجب بالأحکام المجعولة من قبل الله تعالی علیهم تأسیسا، ولا یعم الأحکام العقلائیة الممضاة شرعا.

 

مسألة 1: ذهب جماعة(1) إلى أنـّه يشترط في انعقاد اليمين من المملوک إذن المولى وفي انعقاده من الزوجة إذن الزوج وفي انعقاده من الولد إذن الوالد، لقوله  علیه السّلام: «لا يمين لولد مع والده ولا للزوجة مع زوجها ولا للمملوک مع مولاه» فلو حلف أحد هؤلاء بدون الإذن لم‌ينعقد، وظاهرهم اعتبار الإذن السابق، فلاتكفي الإجازة بعده(2)، مع أنـّه من الإيقاعات. وادّعي الاتّفاق على عدم جريان الفضوليّة فيها وإن كان يمكن دعوى أنّ القدر المتيقّن من الاتّفاق ما إذا وقع الإيقاع على مال الغير، مثل الطلاق والعتق ونحوهما، لا مثل المقام ممّا كان في مال نفسه؛ غاية الأمر اعتبار رضا الغير فيه، ولا فرق فيه بين الرضا السابق واللاحق، خصوصآ إذا قلنا: إنّ الفضوليّ على القاعدة. وذهب جماعة إلى أنـّه لايشترط الإذن في الانعقاد، لكن للمذكورين حلّ يمين الجماعة إذا لم‌يكن مسبوقآ بنهي أو إذن، بدعوى أنّ المنساق من الخبر المذكور ونحوه أنـّه ليس للجماعة المذكورة يمين مع معارضة المولى أو الأب أو الزوج، ولازمه جواز حلّهم له وعدم وجوب العمل به مع عدم رضاهم به، وعلى هذا فمع النهي السابق لاينعقد ومع الإذن يلزم ومع عدمهما ينعقد ولهم حلّه. ولايبعد قوّة هذا القول(3)، مع أنّ المقدّر (4)كما يمكن أن يكون هو الوجود يمكن أن يكون هو المنع والمعارضة، أي لا يمين مع منع المولى مثلا، فمع عدم الظهور في الثاني لاأقلّ من الإجمال، والقدر المتيقّن هو عدم الصحّة مع المعارضة والنهي، بعد كون مقتضى العمومات الصحّة واللزوم.

ثمّ إنّ جواز الحلّ أو التوقّـف على الإذن ليس في اليمين بما هو يمين مطلقاً، كما هو ظاهر كلماتهم، بل إنّما هو فيما كان المتعلّـق منافيآ لحقّ المولى أو الزوج وكان ممّا يجب فيه طاعة الوالد إذا أمر أو نهى(5)، وأمّا ما لم‌يكن كذلک فلا، كما إذا حلف المملوک أن يحجّ إذا أعتقه المولى أو حلفت الزوجة أن تحجّ إذا مات زوجها أو طلّقها أو حلفا أن يصلّيا صلاة الليل مع عدم كونها منافية لحقّ المولى أو حقّ الاستمتاع من الزوجة أو حلف الولد أن يقرأ كلّ يوم جزءً من القرآن، أو نحو ذلک ممّا لايجب طاعتهم فيها للمذكورين، فلا مانع من انعقاده، وهذا هو المنساق من الأخبار(6)، فلو حلف الولد أن يحجّ إذا استصحبه الوالد إلى مكّة مثلا لامانع من انعقاده(7)، وهكذا بالنسبة إلى المملوک والزوجة، فالمراد من الأخبار أنـّه ليس لهم أن يوجبوا على أنفسهم باليمين ما يكون منافيآ لحقّ المذكورين، ولذا استثنى بعضهم الحلف على فعل الواجب أو ترک القبيح(8) وحكم بالانعقاد فيهما، ولو كان المراد اليمين بما هو يمين لم‌يكن وجه لهذا الاستثناء؛ هذا كلّه في اليمين.

وأمّا النذر، فالمشهور بينهم إنّه كاليمين في المملوک والزوجة، وألحق بعضهم بهما الولد أيضاً، وهو مشكل، لعدم الدليل عليه(9) خصوصآ في الولد، إلّا القياس على اليمين بدعوى تنقيح المناط، وهو ممنوع، أو بدعوى أنّ المراد من اليمين في الأخبار ما يشمل النذر لإطلاقه عليه في جملة من الأخبار؛ منها خبران في كلام الإمام علیه السّلام ومنها أخبار في كلام الراوي وتقرير الإمام  7 له وهو أيضآ كما ترى، فالأقوى في الولد عدم الإلحاق؛ نعم، في الزوجة والمملوک لايبعد الإلحاق باليمين(10)، لخبر قرب الإسناد عن جعفر علیه السّلام عن أبيه علیه السّلام أنّ عليّاً علیه السّلام كان يقول: «ليس على المملوک نذر إلّا بإذن مولاه» وصحيح ابن سنان عن الصادق علیه السّلام: «ليس للمرأة   مع زوجها أمر في عتق ولا صدقة ولا تدبير ولا هبة ولا نذر في مالها إلّا بإذن زوجها، إلّا في حجّ أو زكاة أو برّ والديها أو صلة قرابتها»؛ وضعف الأوّل منجبر بالشهرة(11)، واشتمال الثاني على ما لانقول به لايضرّ .

ثمّ هل الزوجة تشمل المنقطعة أو لا؟ وجهان(12)؛ وهل الولد يشمل ولد الولد أولا؟ كذلک وجهان. والأمة المزوّجة، عليها الاستيذان من الزوج والمولى، بناءً على اعتبار الإذن(13). وإذا أذن المولى للمملوک أن يحلف أو ينذر الحجّ، لايجب عليه إعطاء ما زاد عن نفقته الواجبة عليه من مصارف الحجّ، وهل عليه تخلية سبيله لتحصيلها أو لا؟ وجهان(14).

ثمّ على القول بأنّ لهم الحلّ، هل يجوز مع حلف الجماعة التماس المذكورين في حلّ حلفهم أم لا؟ وجهان(15).

 

1- الفیاض: هذا هو الظاهر من صحیحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله: «قال: قال رسول: لا یمین للولد مع والده، ولا لمملوک مع مولاه، ولا للمرأة مع زوجها»(الوسائل باب: 5 من أبواب ما یحرم بالرضاع الحدیث: 1). بتقریب أن المتفاهم العرفي منها أن یمین الولد لا یتحقق مع وجود والده الّا إذا أذن به، ویمین المملوک لا یتحقق مع وجود مالکه کذلک، وکذا الحال في یمین الزوجة مع زوجها، ولا یکون المتفاهم منها عرفا أن یمین الولد لا یتحقق مع منع الوالد، ویمین المملوک مع منع المالک، ویمین الزوجة مع منع الزوج، فانه بحاجة إلی تقدیر کلمة (منع) فیها، وهو خلاف الظاهر وبحاجة إلی قرینة.

وإن شئت قلت: إن کلمة (لا) في الصحیحة ظاهرة في نفي وجود یمین الولد مع وجود الوالد، ونفي وجود یمین المملوک مع وجود المالک، وهکذا، وبما أن النفي شرعي فمناسبة الحکم والموضوع الارتکازیة تقتضي ان المنفي وجود الیمین الذي هو موضوع للأثر الشرعي، وهو الیمین الصحیح، لا مطلق الیمین، فمن أجل ذلک یکون الظاهر منها عرفا عدم انعقاد یمین الولد مع وجود  الوالد ما دام لم یأذن به، وکذلک الحال في الفترة الثانیة والثالثة، ومن هنا یظهر انه لا یمکن أن یراد من الیمین في قوله: «لا یمین» الجامع بین الیمین الصحیح المنحل بالمنع المتأخر، والیمین الباطل بدون الإذن في کل فقرات الصحیحة، أما في الفقرة الأولی فلأن الولد ما دام والده موجودا لا ینعقد یمینه من الأول، والّا فلا مبطل له. واما في الفقرة الثانیة، فالأمر فیها أیضا کذلک، لأن المملوک ما دام مملوکا لمالک لا ینعقد یمینه واذا تحرر فلا مبطل لها. واما في الفقرة الثالثة، فاذا حلفت المرأة قبل تزویجها ثم تزوجت، فان کان تزویجها بعد الوفاء بنذرها فهو خارج عن محل الکلام، وإن کان قبل الوفاء به، فهل یمکن الحکم بصحة نذرها وإن لم یأذن زوجها به، أو أن صحته مرتبطة باذنه، فإن أذن صح، والّا بطل بانتفاء شرطه؟! الظاهر هو الثاني، فان قوله في صحیحة منصور المتقدمة: «لا یمین للمرأة مع زوجها»(الوسائل باب: 5 من أبواب ما یحرم بالرضاع الحدیث: 1) یشمل باطلاقه المقام، وتفصیل ذلک یأتي في المسألة (6) الآتیة.

2- الفیاض: الظاهر هو الکفایة، لا من جهة اطلاق النص حیث انه لا اطلاق له من هذه الناحیة، لأنه ناظر الی نفي صحة یمین الولد مع وجود الوالد، ونفي صحة یمین المملوک مع وجود المالک، ویمین الزوجة مع وجود الزوج، ولا نظر له الی أن الاجازة المتأخرة کافیة في صحته، بل من جهة أن صحته بها تکون علی القاعدة، فلا تحتاج الی دلیل خاص، والسبب فیه أن حقیقة الیمین عبارة عن التزام الشخص بشيء فعلا أو ترکا علی نفسه بصیغة الیمین، فاذا کان هذا الالتزام من الولد – مثلا – فنفوذه مرتبط باذن والده، فان کان مسبوقا به فلا شبهة في صحته وإن کان ملحوقا به، فالظاهر ان الأمر أیضا کذلک، باعتبار أنه تعلق بنفس ذلک الالتزام، فاذا تعلق به صار الالتزام مجازا، فیکون نافذا وموضوعا للأثر، لأن المستفاد من النص أن یمین الولد اذا کان مجازا من قبل الوالد ترتب علیه الأثر، ولا فرق بین أن یکون مجازا بالإذن السابق او اللاحق.

ودعوی: ان الیمین من الایقاعات، ولا تجري الفضولیة فیها... مدفوعة: اما اولا: فلأن مقتضی القاعدة جریان الفضولیة في الایقاعات أیضا کالعقود، علی أساس أن ملاک صحة العقد الفضولي بالاجازة انما هو صحة استناده الی المجیز من حینها، واذا صح استناده الیه کان مشمولا لإطلاقات أدلة الامضاء، وهذا الملاک بعینه متوفر في الایقاعات، فاذا صدر إیقاع من غیر أهله وکان واجدا لکل ما هو معتبر في صحته من الشروط ما عدا صدوره من أهله، فبطبیعة الحال تتوقف صحته علی اجازته، فاذا أجازه صح، لاستناده الیه حقیقة، فیکون مشمولا لإطلاق دلیل الامضاء.

وأمّا الإجماع المدعی علی عدم جریان الفضولي في الایقاع، فلا یمکن الاعتماد علیه، لما ذکرناه غیر مرة، من أنه لیس بوسعنا اثبات الاجماع الکاشف عن ثبوت حکم المسألة في زمن المعصومین ووصوله إلینا یدا بید وطبقة بعد طبقة.

وثانیا: مع الاغماض عن ذلک، وتسلیم ان الاجماع ثابت في المسألة الّا أن القدر المتیقن منه عدم جریانه في الایقاع الواقع فضولیا علی مال غیره، لا في مثل المقام، فان الایقاع فیه قد صدر من الفضولي علی فعل نفسه متعلقا بماله أو حقه، غایة الأمر ان صحته تتوقف علی اذن غیره، ومن المعلوم انه لا فرق بین أن یکون اذنه مقارنا له أو متأخرا، نظیر عتق المفلس عبده المتعلق لحق الدیان، فانه یصح اذا أجازوه، أو عتق عبده المرتهن، فان صحته مرتبطة باجازة المرتهن، فاذا صح العتق بالاجازة المتأخرة صح غیره من الایقاعات أیضا بها، وبذلک یظهر حال ما في المتن.

3- الفیاض: مر أن هذا القول بعید، والصحیح هو القول الأول.

4- الفیاض: تقدم أن الأمر لا یدور بین أن یکون المقدر في قوله: «لا یمین للولد مع والده... الخ» الوجود أو المنع، بل الوجود هو المتفاهم العرفي من الروایة، وانما الکلام في تقدیر المنع زائدا علی الوجود، وقد مر أنه لا قرینة علی هذا التقدیر.

5- الفیاض: الظاهر عدم صحة یمین الولد مع الوالد، والعبد مع المولی، والزوجة مع الزوج مطلقا وإن لم یکن منافیا لحق هؤلاء، لإطلاق النص، فلو اختص عدم الصحة بالمنافي للحق فلا خصوصیة لهم، اذ کل یمین اذا کان منافیا لحق الغیر لم یصح، فاذا حلف الزوج علی شيء وکان مخالفا لحق زوجته بطل، ومن هذا القبیل اذا حلف الراهن علی بیع العین المرتهنة بدون اذن المرتهن لم یصح، باعتبار أنه تضییع لحق الغیر.

وبکلمة: ان عدم صحة یمین الولد اذا انیط بکونه منافیا لحق والده وان کان ذلک الحق من الحقوق الراجحة، لم یکن عندئذ للوالد خصوصیة، اذ کل یمین اذا کان متعلّقة مرجوحا بسبب أو آخر فهو باطل.

6- الفیاض: مر أن المنساق منها عدم انعقاد یمین الولد بدون اذن الوالد، وکذلک الحال بالنسبة إلی المملوک والزوجة.

7- الفیاض: فیه ان انعقاده انما هو بملاک أن أخذه الولد معه الی مکة یدل علی اذنه فیه، لا من جهة أنه لا یکون منافیا لحقه.

8- الفیاض: تقدم أن مقتضی النص عدم صحة یمین هؤلاء بدون الإذن مطلقا، حتی اذا کان علی فعل الواجب أو ترک الحرام.

9- الفیاض: بل لا اشکال في التعدي علی ما بنی علیه الماتن، من أن عدم صحة یمین الولد مع الوالد منوط بکونه منافیا لحقه، وکذلک یمین المملوک والزوجة، وذلک لأن الالحاق حینئذ یکون علی القاعدة، علی أساس أن صحة النذر مشروطة برجحان متعلقه، فاذا کان نذر الولد منافیا لحق الوالد فبطلانه یکون علی القاعدة، ولا یحتاج الی دلیل. نعم بناء علی ما قویناه من أن بطلانه منوط بعدم ان اذن الوالد، فالالحاق بحاجة الی دلیل.

10- الفیاض: فیه ان هذا لیس من باب الالحاق، بل هو منصوص، اما في المملوک فهو قوله في معتبرة الحسین بن علوان: «لیس علی المملوک نذر الّا أن یأذن له سیّده»(الوسائل باب: 15 من أبواب النذر والعهد الحدیث: 2) وأمّا في الزوجة فقوله في صحیحة عبد الله بن سنان: «لیس للمرأة مع زوجها أمر في عتق ولا صدقة، ولا تدبیر، ولا هبة، ولا نذر في مالها الّا باذن زوجها، الّا في حج أو زکاة أو برّ والدیها، أو صلة رحمها...»(الوسائل باب: 15 من أبواب النذر والعهد الحدیث: 1) وقد نوقش في الثاني بأمرین:

أحدهما: ان مورده عدم صحة نذر الزوجة في مالها بدون إذن زوجها، ولا یدل علی عدم صحته في غیر مالها.

والجواب: ان ذکر المال انما هو بلحاظ الصدقة والتدبیر والهبة فیه دون النذر، حیث ان العرف لا یفهم منه خصوصیة للمال بالنسبة إلی نذرها، ولا یحتمل دخله في عدم صحته بدون إذن زوجها.

والآخر: ان الصحیحة مشتملة علی ما لا یمکن القول به، بل هو علی خلاف الضرورة الفقهیة، وهو الصدقة والهبة والتدبیر من مالها، اذ من الواضح أن لها أن تتصرف في أموالها متی شاءت، ولا تکون ممنوعة عن التصرف فیها بدون اذن زوجها.

والجواب: انه لا شبهة في أن قوله: «لیس للمرأة مع زوجها أمر» ظاهر في نفي الأمر لها بدون اذنه، غایة الأمر نرفع الید عن هذا الظهور بالنسبة إلی بعض هذه الأمور فیه، کالصدقة أو الهبة من أموالها، وهذا لا لدلیل خاص، بل للسیرة القطعیة الجاریة بین الناس، اذ لو لم تکن جائزة بدون اذن زوجها لشاعت المسألة واشتهرت بینهم، لکثرة الابتلاء بها في تمام البلاد وبقاع الأرض. واما بالنسبة إلی النذر او العتق فلا مانع من الالتزام بالظهور.

فالنتیجة: ان الأخذ باطلاق قوله: «لیس للمرأة مع زوجها أمر...» لا یمکن، ولابد من رفع الید عنه، وتقیید بغیر الصدقة والهبة، ولیس معنی ذلک أنه متضمن لحکم أخلاقي والزامي معا، والأول بالنسبة إلی الهبة والصدقة، والثاني بالنسبة إلی النذر ونحوه لکي یقال: ان الدلیل الواحد لا یمکن أن یتضمن کلا الحکمین معا، بل هو متضمن لحکم واحد، وهو عدم الصحة بدون الإذن، وهذا الحکم الواحد ینحل بانحلال افراد موضوعه في الخارج، ولا مانع من تقیید اطلاقه ببعضها دون بعضها الآخر اذا قامت قرینة علیه.

11- الفیاض: قد تقدم في غیر مورد أن الشهرة لا تصلح أن یکون جابرة لا نظریة ولا تطبیقیة.

12- الفیاض: الأظهر عدم الشمول، باعتبار أن الوارد في لسان النص انما هو عنوان الوالد، وهو لا یصدق عرفا علی الجد الّا بالعنایة، وعلیه فلو أمکن الحاق النذر بالیمین لکانت صحته مشروطة باذن الوالد فقط دون الأعم منه ومن الجد.

13- الفیاض: مر أن هذا هو الأظهر.

14- الفیاض: الأقوی هو الثاني، لأن اذن المولی عبده بالحلف او النذر علی أن یحج لا یکون إذنا له بالتکسب لتحصیل نفقات الحج، لأن معنی ذلک أنه مأذون بالنذر أو الحلف، فاذا حلف أو نذر الحج وتمکن منه في موسمه إما ببذل أحد نفقة الحج له، أو یستصحبه معه، وجب علیه الوفاء به والا فلا شيء علیه.

فالنتیجة: ان الإذن في التکسب لنفقات الحج لیس من لوازم الإذن بالحلف أو النذر للحج، لعدم الملازمة بینهما، بل لازمه أنه إذا نذر ثم تمکن بسبب من الأسباب وجب الوفاء به.

15- الفیاض: الظاهر هو الوجه الأول إذ لا دلیل علی عدم جواز التماس الحل منهم بعد ما کان أمره بیدهم. مثلا اذا انذر أو حلف العبد باذن المولی وجب الوفاء به، واذا رجع المولی عن اذنه انحل نذره أو حلفه، ومن الواضح أنه لا مانع له من هذا الرجوع، لأن أمره بیده، وعلیه فلا مانع من التماس العبد الحل من المولی.

 

 

مسألة 2: إذا كان الوالد كافراً، ففي شمول الحكم له وجهان؛ أوجههما العدم، للانصراف (1) ونفي السبيل(2).

1- الفیاض: هذا لا من جهة الانصراف، لعدم المنشأ له بعد استعمال لفظ الوالد في الجامع، بل من جهة أن مناسبات الحکم والموضوع الارتکازیة تقتضی ان یکون المراد من الوالد في النص خصوص من تکون له مکانة واحترام في الشرع، دون الأعم منه وممن لا مکانة له ولا احترام کالکافر.

2- الفیاض: فیه ان الظاهر منه بمناسبة ما تقدم علیه من الآیات الشریفة نفي الحجة للکافرین علی المؤمنین یوم القیامة، وعند الحساب، ولا یرتبط بالمقام أصلا.

 

مسألة 3: هل المملوک المبعّض، حكمه حكم القنّ أو لا؟ وجهان(1)؛ لايبعد الشمول، ويحتمل عدم توقّف حلفه على الإذن في نوبته في صورة المهاياة، خصوصاً إذا كان وقوع المتعلّق في نوبته.

 

1- الفیاض: الأظهر هو الوجه الثاني، فان الوارد في لسان النص بما انه عنوان المملوک، فهو لا یصدق علی المبعض، کما لا یصدق علیه عنوان الحر، فاذن مقتضی القاعدة فیه صحة نذره ویمینه، وعدم توقفها علی اذن من ملک بعضه، لأن الخارج من عموم القاعدة بالنص هو ما اذا کان کله مملوکا، والّا فمقتضی عمومها صحة نذره أو یمینه، وبه یظهر حال ما في المتن.

 

مسألة 4: الظاهر عدم الفرق في الولد بين الذكر والاُنثى، وكذا في المملوک والمالک(1)، لكن لاتلحق الاُمّ بالأب.

1- الفیاض: فیه ان المملوک والمالک لیس کالولد، حیث أنه یعم الذکر والانثی، کما في قوله تعالی: (یوُصِیکُمُ اَللّهُ فِي أَولادِکُم...) (النساء، آیة: 11) دون المملوک، فانه لا یعمهما ضرورة صحة قولنا: زید مملوک وهند مملوکة، ولا یصح أن یقال: هند مملوک، فاذن لیس عدم الفرق من جهة صحة اطلاق المالک والمملوک علی الذکر والأنثی، بل من جهة أن مناسبة الحکم والموضوع الارتکازیة تقتضي أن عدم صحة یمین المملوک ونذره بدون اذن المالک انما هو بلحاظ انه مملوک له، ولا اختیار له في مقابله، لا بلحاظ خصوصیة فیه، وهذا الملاک مشترک فیه بین الکل، ولذلک لا یری العرف خصوصیة للمملوک ولا للمالک، بل یری أن أخذهما في لسان الدلیل انما هو من باب المثال، لا من باب أن لهما خصوصیة، ومن هنا لا یری الفرق بین المملوک لمالک والمملوک لمالکة، او بالعکس.

 

 

 مسألة 5: إذا نذر أو حلف المملوک بإذن المالک، ثمّ انتقل إلى غيره بالإرث أو البيع أو نحوه، بقي على لزومه(1).

1- الفیاض: في البقاء اشکال، بل منع، بناء علی ما هو الصحیح من أن صحة نذر المملوک حدوثا وبقاء مرتبطة باذن المالک بذلک، فاذا أذن فیه ثم نذر حکم بصحته، واذا رجع عن اذنه انحل نذره وارتفع وجوب الوفاء به بارتفاع موضوعه، وقد مر أنه لا مانع من رجوع المالک عن اذنه، ولا فرق في ذلک بین المالک الأول والثاني، فاذا اذن الأول بالنذر ونذر صح، شریطة أن یبقی علی اذنه، وفي هذه الحالة اذا انتقل الی الثاني فان رضی بنذره بقی علیه، والّا انحل.

وإن شئت قلت: انه لا فرق من هذه الناحیة بین أن یکون العبد مملوکا لمالک – واحد أو متعدد، فکما أن صحة نذره أو حلفه علی الأول مشروطة حدوثا وبقاء باذنه، فإن رجع عن اذنه بقاء انحلّ ولو بعد دخول وقته اذا کان موسعا، فکذلک علی الثاني، فان بقاء صحته مشروطة باذن الثاني ورضاه، والّا انجل، وهذا المعنی هو المستفاد من النص في المسألة، لأن قوله في معتبرة الحسین بن علوان: «لیس علی المملوک نذر الّا أن یأذن له سیّده»(الوسائل باب: 15 من أبواب النذر والعهد الحدیث: 2) ظاهر في أن ثبوت النذر علی ذمّة المملوک مرتبط باذن السید حدوثا وبقاء، وکذلک قوله في صحیحة منصور بن حازم المتقدمة: «لا یمین للولد مع والده، ولا لمملوک مع مولاه، ولا للمرأة مع زوجها»(الوسائل باب: 5 من أبواب ما یحرم بالرضاع الحدیث: 1) فان المتفاهم العرفي منهما بمناسبة الحکم والموضوع، أن صحة النذر أو الحلف مرتبطة بالإذن حدوثا وبقاء، باعتبار أنه موضوع لها، ومن المعلوم أن الحکم یدور مدار موضوعه کذلک ومن هنا یظهر أن بطلان نذره إذا انتقل الی المولی الثاني لا یختص بما اذا کان منافیا لحقه، بل صحته بقاء مشروطة باذنه أیضا وإن لم یکن منافیا لحقه.

وعی الجملة فلا یجب الوفاء بالنذر أو الحلف الّا في وقت العمل، فاذا کان العمل المنذور فیه واجدا للشرط، وراجحا في نفسه في وقته، وجب الوفاء به، والّا فلا، وعلیه فاذا کان في وقت العمل مملوکا لمالک آخر فوجوب الوفاء به مرتبط باذنه، فإن اذن وجب الوفاء، والّا انحل، ولا شيء علیهف وهذا هو مقتضی قوله: «لیس علی المملوک نذر الّا أن یأذن سیده».

فالنتیجة: أن اذن المولی بما أنه شرط في صحة نذر المملوک ووجوب الوفاء به، فتدور صحته مدار اذنه حدوثا وبقاء، بدون فرق في ذلک بین المالک الأول والثاني.

وما عن الماتن من بقاء نذره علی اللزوم مبني علی تمامیة أحد أمرین:

الأول: ان صحة نذره مشروطة بالإذن منه حدوثا فقط لا حدوثا وبقاء.

والآخر: ان نذره اذا انعقد بالإذن وجب علیه الوفاء به، وحینئذ فلا یحق لمالکه أن یمنعه عنه حیث: «لا طاعة لمخلوق في معصیة الخالق»(الوسائل باب: 59 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 7) بدون فرق في ذلک بین مالکه الأول والثاني.

ولکن کلا الأمرین غیر تام، اما الأمر الأول: فقد مر أنها مشروطة به حدوثا وبقاء، باعتبار أنه موضوع لها.

واما الأمر الثاني: فلأن المالک علی هذا اذا لم یأذن به بقاء، ومنع عن العمل به، انحل نذره، وعندئذ یرتفع وجوب الوفاء به بارتفاع موضوعه، ولیس هذا من عناصر تلک الکبری، ولا یمکن تطبیقها علی المقام، علی أساس أنه لا وجوب عندئذ حتی تکون مخالفته معصیة لله تعالی.

 

 

 مسألة 6: لونذرت‌المرأة‌أوحلفت‌حال‌عدم‌الزوجيّة‌ثمّ تزوّجت،وجب‌عليها العـمل بـه وإن كـان منـافياً للاستـمـتاع بهـا(1)، وليـس للـزوج منـعها مـن ذلـک الفـعل كالحـجّ ونحـوه، بـل وكـذا لـو نـذرت أنّهـا لـو تزوّجـت بزيـد مثـلا صامـت كـلّ خمـيس، وكـان المفـروض أنّ زيـدآ أيضـآ حلـف أن يواقعـها كلّ خمـيس إذا تزوّجهـا، فـإنّ حلـفها أو نـذرها مقـدّم علـى حلفـه(2) وإن كان متأخّراً في الإيقاع، لأنّ حلفه لايؤثّر شيئآ في تكليفها، بخلاف نذرها فإنّه يوجب الصوم عليها، لأنـّه متعلّق بعمل نفسها، فوجوبه عليها يمنع من العمل بحلف الرجل.

 

1- الفیاض: الظاهر عدم وجوب العمل علیها، وذلک لأمرین:

أحدهما: ان وجوب الوفاء بالنذر أو نحوه لا یصلح أن یزاحم أيّ وجوب آخر مجعول في الشرع من قبل الله تعالی، لما ذکرناه في علم الأصول من أن التعلیل الوارد في صحیحة محمد بن قیس: «إن شرط الله قبل شرطکم»(الوسائل باب: 38 من أبواب المهور الحدیث: 1) یدل علی أن کل شرط من شروطه تعالی المفروضة في الشریعة المقدسة لابد وأن یلحظ في المرتبة السابقة علی شروطکم والتزاماتکم، وبقطع النظر عنها، فان کان ثابتا کذلک فلا تصل النوبة الی شروطکم، ونتیجة ذلک أن ثبوت کل حکم شرعي الزامي في الشرع في نفسه مانع عن وجوب الوفاء بالنذر، ورافع له.

والآخر: ان وجوب الوفاء بالنذر انما هو فعلي ومنجز في وقت العمل، وبما أنها في ذلک الوقت متزوجة، فوجوب الوفاء به مرتبط باذن زوجها، ویدل علی ذلک قوله في صحیحة عبد الله بن سنان: «ولا نذر في مالها الّا باذن زوجها»(الوسائل باب: 17 من أبواب کتاب الوقوف والصدقات الحدیث: 1) بتقریب أن المتفاهم العرفي منه أنه لا یجب علیها الوفاء بالنذر الّا باذنه، ومن المعلوم أن وجوب الوفاء به علیها انما هو في وقت العمل، والمفروض أنها في ذلک الوقت متزوجة.

وإن شئت قلت: ان المرأة إذا نذرت قبل تزویجها فان کان وقت الوفاء والعمل به قبله، فهو خارج عن محل الکلام، اذ لا نذر علیها حینما تزوجت. وإن کان وقت الوفاء والعمل به بعده، فوجوب الوفاء به منوط باذن زوجها، باعتبار أنه لا وجوب قبل بلوغ وقت العمل، وبعده أصبحت متزوجة، فاذا اصبحت متزوجة کان وجوب الوفاء به علیها مرتبطا باذن زوجها، فإن اذن وجب الوفاء علیها، والّا انکشف عن بطلان نذرها من الأول، ومن هذا القبیل ما اذا نذرت عملا مستمرا في کل اسبوع أو سنة، کما اذا نذرت صوم کل یوم جمعة من کل اسبوع، أو نذرت صوم شهر رجب – مثلا – في کل سنة، وهکذا، فانها ما دامت لم تتزوج فعلیها الوفاء بالنذر، واذا تزوجت لم یجب علیها الوفاء به ما لم یأذن به زوجها، فان أذن فهو، والّا انکشف عن بطلان نذرها بعد تزویجها. ثم إن زوجها اذا أذن لها بالعمل بنذرها وجب علیها العمل به، وإن کان منافیا لحقه.

ودعوی: أن نذرها اذا کان منافیا لحق زوجها لا یصح في نفسه، باعتبار أن صحته مشروطة بکون متعلقة راجحا، فاذا کان منافیا له کان مرجوحا، فاذن لا یمکن الحکم بصحة نذرها في هذا الفرض وإن أذن زوجها بذلک، فان إذنه إنما یؤثر في النذر المشروع في نفسه الواجد للشروط ما عدا اذنه لا مطلقا.

مدفوعة: بأن صحة النذر مشروطة بکون متعلقة راجحا في نفسه، والمفروض أن متعلقة في المقام کصوم یوم الجمعة، أو صوم شهر رجب راحج کذلک، ومجرد کونه مزاحما لحق الزوج لا یوجب مرجوحیته، فان الموجب لها انها هو انطباق عنوان المرجوح علیه، کعنوان المحرم أو المکروه، دون المزاحمة، فاذن المقتضی لصحة النذر موجود فیه، والمانع انما هو عدم إذن زوجها، فاذا أذن صح وإن کان موجبا لتفویت حقه، فانه لا یمنع باعتبار أن معنی إذنه انه رفع الید عن حقه.

فالنتیجة: ان بطلان نذرها في صورة عدم الإذن لیس من جهة أن متعلقه مرجوح، بل من جهة وجود المانع له، أو فقد شرطه وهو الإذن.

2- الفیاض: بل الأمر بالعکس، لا من جهة ان حلفه أو نذره بما هو مقدم علی حلفها أو نذرها کذلک، بل من جهة أن وجوب الوفاء بالنذر أو الحلف لا یصلح أن یزاحم وجوب المطاوعة علیها تطبیقا لما مر، وبذلک یظهر حال ما في المتن.

 

 

مسألة 7: إذا نذر الحجّ من مكان معيّن كبلده أو بلد آخر معيّن، فحجّ من  غير ذلک المكان، لم‌تبرأ ذمّته ووجب عليه ثانياً؛ نعم، لو عيّنه في سنةٍ فحجّ في تلک السنة من غير ذلک المكان، وجب عليه الكفّارة، لعدم إمكان التدارک. ولو نذر أن يحجّ من غير تقييد بمكان ثمّ نذر نذرآ آخر أن يكون ذلک الحجّ من مكان كذا(1) وخالف فحجّ من غير ذلک المكان، برأ من النذر الأوّل ووجب عليه الكفّارة لخلف النذر الثاني، كما أنـّه لو نذر أن يحجّ حجّة الإسلام من بلد كذا فخالف، فإنّه يجزيه عن حجّة الإسلام ووجب عليه الكفّارة لخلف النذر.

1- الفیاض: هذا شریطة أن یکون الحج من ذلک المکان راجحا بالنسبة إلی غیره، وأما اذا کان مساویا ولم یکن فرق بینه وبین غیره فلا ینعقد النذر، هذا نظیر ما اذا نذر أنه متی أراد أن یصلي في المسجد الفلاني یصلي في نقطة خاصة منه، مع أنه لا فرق بینها وبین سائر النقاط في الفضلیة، وحیث أن السفر الی الحج مقدمة له، فلا فرق بین أن یکون من النجف الأشرف، أو کربلاء، أو بغداد، أو الحلة، أو البصرة، أو نحوها، لأنه بما هو سفر الیه فلا فرق بین هذه البلدان، ولا یکون السفر الیه بما هو سفر من النجف أفضل وأرجح من السفر الیه من بغداد أو البصرة، نعم لو نذر الصلاة بدون التقیید بمکان خاص، ثم نذر أن یصلي تلک الصلاة في المسجد أو الحرم الشریف أو الجماعة انعقد.

فالنتیجة: ان صحة النذر الثاني المتعلق بتقیید متعلق النذر الأول بقید خاص وفرد مخصوص منوطة بکون ذلک التقیید راجحا في نفسه، والّآ فلا یکون صحیحا.

ثم إن هنا اشکالا آخر في هذا التقیید، وهو ان مرده الی حصر الحجة من ذلک البلد الخاص فحسب، بدعوی أن قول الناذر (لله عليّ أن أحج حجة الإسلام من بلد کذا) یرجع الی قوله (لله عليّ أن لا أحج الّا من ذلک البلد الخاص) وعلی هذا فیجب الحفاظ علی قید المنذور، بأن یحج من البلد المذکور، باعتبار أن هذا التقیید یؤدي الی عجزه عن الاتیان بالمنذور من غیر ذلک البلد، وعلیه فاذا حج حجة الإسلام من غیره فقد فوت الواجب علیه تعجیز نفسه عنهف وهو حجة الإسلام من البلد المنذور، وهذا التعجیز بما أنه حرام عقلا وتجریا علی المولی، فلا یصح التقرب بحجة الإسلام من غیر ذلک البلد، علی أساس ان الاتیان بها من غیره معجز عن الواجب، فاذا لم یصح التقرب بها بطلت، وظل الواجب المنذور ثابتا، فیجب علیه الاتیان به.

والجواب: إن هنا مسألتین:

الأولی: اذا نذر أن یحج حجة الإسلام من البلدة الفلانیة، وبنینا علی أن هذا النذر صحیح، وفي هذه الحالة اذا حج من تلک البلدة فقد أتی بحجة الإسلام، ووفي بالنذر معا، واذا حج من بلدة أخری فقد أتی بحجة الإسلام فقط، ولم یف بالنذر، وعلیه حینئذ الإثم والکفارة، ومن الواضح ان تقیید حجة الإسلام بکونها من بلدة معینة بالنذر لا یقتضي کونها من بلدة أخری مبغوضة حتی تقع فاسدة، لأن اقتضاء ذلک اما أن یکون بملاک أن الأمر بالاتیان بها من البلدة المعینة یقتضي النهي عنه من بلدة أخری غیرها، علی أساس اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده، أو بملاک أنه اذا کان مأمورا بالاتیان بها من تلک البلدة بمقتضی النذر فهو معجز مولوي عن الاتیان بها من بلدة أخری، أو بملاک أنه اذا أتی بها من بلدة أخری غیر البلدة المعینة فهو مفوت للواجب، وهو حجة الإسلام من تلک البلدة وسبب لتعجیزه عن الاتیان بها، وهذا التعجیز بما أنه حرام عقلا وتجریا فلا یمکن التقرب بالاتیان بها من بلدة أخری.

ولکن کل هذه الوجوه مما لا أساس لها.

اما الوجه الأول: فقد تحقق في محله ان الأمر بشيء لا یقتضي النهي عن ضده، وعلی تقدیر الاقتضاء فالنهي بما أنه غیري لا ینافي محبوبیة متعلقه في نفسه، ولذلک لا مانع من الحکم بصحته علی القول بالترتب – کما هو الصحیح -.

واما الوجه الثاني: فلا قیمة للتعجیز المولوي والمانع التشریعي، الّا أن یکون الأمر المتعلق بحجة الإسلام مشروطا بعدم المانع الأعم من التکویني والتشریعي، والفرض أنه غیر مشروط به، کما تقدم في ضمن البحوث السالفة.

واما الوجه الثالث: فلأن الاتیان بحجة الإسلام من بلدة أخری وإن أدی الی تفویت الواجب بالنذر، وهو الحجة من البلدة المعینة، الّا أن قبحه لا یسري الیها، لأن قبح أحد المتلازمین لا یسري الی الملازم الآخر، فلا یکون الاتیان بها من بلدة أخری قبیحا حتی لا یمکن التقرب به، وحینئذ فلا مانع من الحکم بصحتها، او فقل ان الحجة من غیر البلدة المعینة وإن کانت توجب تعجیز نفسه عن الحجة من البلدة المعینة، الّا أن ذلک انما هو علی أساس أن قدرته لا تتسع للجمع بینهما معا، فانه اذا صرفها في احداهما عجز عن الاخری، ویکون ترکها مستندا الی عجزه، ومن المعلوم أن صرف قدرته في الحجة من غیر البلدة المنذورة لا یکون قبیحا، فان القبیح انما هو ترک الحجة من البلدة المنذورة، ومن الواضح أن قبح لا یسري الی ما هو لازمه، وهو الحجة من غیر تلک البلدة حتی لا یمکن التقرب بها، هذا، اضافة الی أن حجة الإسلام من غیر تلک البلدة انما توجب تعجیزه عنها من البلدة المعینة، وانتفاء وجوب الوفاء بالنذر بها بانتفاء موضوعه اذا کانت صحیحة، واما اذا کانت باطلة فلا توجب تعجیزه عن الاتیان بها من البلدة المعینة، لفرض ان حجة الإسلام المنذورة من تلک البلدة باقیة في ذمته، فعلیه الاتیان بها منها، فاذن لا یعقل أن یکون تعجیزه سببا لبطلانها، والّا لزم من فرض وجود التعجیز عدمه.

الثانیة: اذا نذر أن یحج بلا تقیید من بلد خاص، ثم نذر نذرا آخر أن یأتي بذلک الحج من بلد خاص شریطة أن یکون الحج من ذلک البلد راجحا، وفي هذه الحالة اذا حج من ذلک البلد الخاص فقد وفي بکلا النذرین، واذا حج من بلد آخر غیره فقد وفي بالنذر الأول وصح حجه وخالف النذر الثاني وعلیه الإثم والکفارة، ومخالفته لا توجب بطلان الحج الأول الّا بناء علی تمامیة أحد الوجوه المتقدمة، وقد مر عدم تمامیة شيء منها.

 

 

مسألة 8: إذا نذر أن يحجّ ولم‌يقيّده بزمان، فالظاهر جواز التأخير إلى ظنّ الموت أو الفوت(1)، فلايجب عليه المبادرة إلّا إذا كان هناک انصراف، فلو مات قبل الإتيان به في صورة جواز التأخير لايكون عاصياً، والقول بعصيانه مع تمكّنه في بعض تلک الأزمنة وإن جاز التأخير، لا وجه له. وإذا قيّده بسنة معيّنة، لم‌يجز التأخير مع فرض تمكّنه في تلک السنة، فلو أخّر عصى وعليه القضاء(2) والكفّارة، وإذا مات وجب قضاؤه عنه، كما أنّ في صورة الإطلاق إذا مات بعد تمكّنه منه قبل إتيانه وجب القضاء عنه؛ والقول بعدم وجوبه بدعوى أنّ القضاء بفرض جديد ضعيف، لما يأتي.

وهل الواجب القضاء من أصل التركة أو من الثلث؟ قولان؛ فذهب جماعة إلى القول بأنّه من الأصل، لأنّ الحجّ واجب ماليّ وإجماعهم قائم على أنّ الواجبات الماليّة تخرج من الأصل؛ وربما يورد عليه بمنع كونه واجباً ماليّاً، وإنّما هو أفعال مخصوصة بدنيّة وإن كان قد يحتاج إلى بذل المال في مقدّماته، كما أنّ الصلوة أيضاً قد تحتاج إلى بذل المال في تحصيل الماء والساتر والمكان ونحو ذلک.

وفيه: أنّ الحجّ في الغالب محتاج إلى بذل المال، بخلاف الصلاة وسائر العبادات البدنيّة، فإن كان هناک إجماع أو غيره على أنّ الواجبات الماليّة ]تخرج[ من الأصل، يشمل الحجّ قطعاً.

وأجاب صاحب الجواهر بأنّ المناط في الخروج من الأصل كون الواجب دَيناً والحجّ كذلک، فليس تكليفآ صرفاً كما في الصلاة والصوم، بل للأمر به جهة وضعيّة، فوجوبه على نحو الدينيّة بخلاف سائر العبادات البدنيّة، فلذا يخرج من الأصل، كما يشير إليه بعض الأخبار الناطقة بأنـّه دين أو بمنزلة الدين.

قلت: التحقيق أنّ جميع الواجبات الإلهيّة ديون للّه تعالى؛ سواء كانت مالا أو عملا ماليّاً أو عملا غير ماليّ، فالصلاة والصوم أيضاً ديون للّه ولهما جهة وضع، فذمّة المكلّف مشغولة بهما ولذا يجب قضاؤهما، فإنّ القاضي يفرغ ذمّة نفسه أو ذمّة الميّت، وليس القضاء من باب التوبة أو من باب الكفّارة، بل هو إتيان لماكانت الذمّة مشغولة به ولا فرق بين كون الاشتغال بالمال أو بالعمل، بل مثل قوله: للّه علىّ أن اُعطي زيدآ درهمآ، دين إلهيّ لا خلقيّ فلايكون الناذر مديوناً لزيد، بل هو مديون للّه بدفع الدرهم لزيد، ولا فرق بينه وبين أن يقول: للّه علىّ أن أحجّ أو أن اُصلّي ركعتين، فالكلّ دين اللّه، ودين اللّه أحقّ أن يقضى، كما في بعض الأخبار، ولازم هذا كون الجميع من الأصل؛ نعم، إذا كان الوجوب على وجه لايقبل بقاء شغل الذمّة به بعد فوته لايجب قضاؤه، لا بالنسبة إلى نفس من وجب عليه ولا بعد موته؛ سواء كان مالا أو عملا مثل وجوب إعطاء الطعام لمن يموت من الجوع عام المجاعة، فإنّه لو لم‌يعطه حتّى مات لايجب عليه ولا على وارثه القضاء، لأنّ الواجب إنّما هو حفظ النفس المحترمة وهذا لايقبل البقاء بعد فوته؛ وكما في نفقة الأرحام، فإنّه لو ترک الإنفاق عليهم مع تمكّنه لايصير ديناً عليه، لأنّ الواجب سدّ الخلّة وإذا فات لايتدارک.

فتحصّل أنّ مقتضى القاعدة في الحجّ النذريّ إذا تمكّن وترک حتّى مات، وجوب قضائه من الأصل، لأنـّه دين إلهيّ، إلّا أن يقال بانصراف الدين عن مثل هذه الواجبات، وهو محلّ منع، بل دين اللّه أحقّ أن يقضى.

وأمّا الجماعة القائلون بوجوب قضائه من الثلث، فاستدلّوا بصحيحة ضريس وصحيحة ابن أبي يعفور الدالّتين على أنّ من نذر الإحجاج ومات قبله يخرج من ثلثه، وإذا كان نذر الإحجاج كذلک مع كونه ماليّاً قطعاً فنذر الحجّ بنفسه أولى بعدم الخروج من الأصل. وفيه: أنّ الأصحاب  لم‌يعملوا بهذين الخبرين في موردهما(3)، فكيف يعمل بهما في غيره؟و أمّا الجواب عنهما بالحمل على صورة كون النذر في حال المرض، بناءً على خروج المنجّزات من الثلث، فلا وجه له بعد كون الأقوى خروجها من الأصل؛ وربّما يجاب عنهما بالحمل على صورة عدم إجراء الصيغة أو على صورة عدم التمكّن من الوفاء حتّى مات؛ وفيهما ما لايخفى، خصوصاً الأوّل.

1- الفیاض: لا أثر للظن ولا قیمة له، فان المعیار انما هو بالوثوق والاطمئنان، فان کان واثقا ومطمئنا بعدم الفوت اذا أخر جاز، والّا فلا وإن کان ظانا بعدم الفوت.

والسبب فیه ان ذمته مشغولة بالحج، والعقل یحکم بالخروج عن عهدته وعدم التسامح والتساهل فیه، وعلی هذا فان کان مطمئنا بعدم الفوت اذا أخر جاز، وحینئذ فاذا فات اتفاقا لم یصدق أنه تسامح فیه، ولذلک یکون معذورا، وإن لم یکن مطمئنا به لم یجز، وحینئذ اذا أخر وفات والحال هذه لم یکن معذورا.

ودعوی: ان الظن وإن لم یکن حجة، الّا أنه لا مانع في المقام من التمسک باستصحاب بقاء القدرة علیه والتمکن منه الی السنة القادمة.

مدفوعة: بأن الاستصحاب لا یجري الّا علی نحو مثبت، حیث ان الأثر الشرعي لا یترتب علیه، فان لازم بقاء القدرة الی السنة القادمة جواز التأخیر عقلا وهو لا یثبت هذا اللازم.

2- الفیاض: في القضاء اشکال بل منع، لأنه بحاجة الی دلیل، ولا دلیل علیه الّا في نذر صوم یوم معین، وأما في غیره من النذور، کنذر الحج في سنة معینة، أو نذر صلاة اللیل أو غیرها، فلا دلیل علی وجوب القضاء فیها.

ودعوی: ان الواجبات الشرعیة الثابتة في الذمة کالدیون المالیة، ولا تفرغ الذمة عنها الّا بالاتیان بها، سواء أکان بنفسه ومباشرة أم کان بالنیابة، فاذن یکون وجوب القضاء علی القاعدة، فلا یحتاج الی دلیل، ویؤید ذلک ما ورد في روایة الخثعمیة: «إن دین الله أحق أن یقضی».

مدفوعة: بأن الدین وإن أطلق علی الواجبات الإلهیة في الروایات، الّا أن من الواضح ان هذا الاطلاق انما هو بلحاظ أنها ثابتة في عهدة المکلف، ویجب علیه الخروج عن عهدتها بالاتیان بها في أوقاتها الخاصة المحدودة، وأم إذا لم یقم بذلک في أوقاتها وفاتت تلک الواجبات عنه، فعندئذ ثبوت بدیلها في ذمته في خارج تلک الأوقات بحاجة الی دلیل. وفي کل مورد قام دلیل علی وجوب البدیل والقضاء في خارج الوقت کما في أبواب الصلاة والصیام والحج ونحوها نأخذ به ونعمل علی طبقه، وفي کل مورد لم یقم دلیل علی ذلک فلا شيء في ذمته، لان ثبوت أصل الواجب في الذمة محدود في وقته الخاص ویسقط بسقوط وقته ولا یعقل بقاؤه فیها، وأما ثبوت بدیله وقضائه فیها عوضا عنه في خارج الوقت فلا دلیل علیه.

وإن شئت قلت: إنها وإن کانت دیون إلهیة، الّا أنهامؤقته بأوقات خاصة المعینة ومطلوبة من الله تعالی في تلک الأوقات لا مطلقا، وبانتهائها تنتهي تلک الدیون ولا تبقی، وحینئذ فاذا ثبت بدیلها بعنوان القضاء فهو بأمر جدید وبدلیل آخر، ومن هنا یکون القضاء علی خلاف القاعدة، فاذن یکون سقوط هذه الدیون عن الذمة إما أن یکون بالامتثال، أو بانتهاء أمدها ووقتها، سواء أکان عامدا وملتفتا أم کان جاهلا أو غافلا، وعلیه فیکون القضاء دین إلهي آخر غیر الأول وثابت في الذمة اذا دل علیه دلیل.

وأما روایة الخثعمیة، فهي ضعیفة سندا، فلا یمکن الاعتماد علیه، وعلی تقدیر تمامیتها سندا فلا دلالة لها، لأنها تدل علی أن الواجبات الإلهیة دین، ولابد من الاتیان بها، ومن المعلوم أنه لا کلام في ذلک، وانما الکلام في ثبوت البدیل لها في الذمة کالدین في خارج أوقاتها بعد سقوطها تلک الأوقات، والروایة لا تدل علی ذلک.

وبکلمة: ان المراد من ک ون الواجبات الإلهیة دیونا لله تعالی علی الناس، هو أنها ثابتة في ذمتهم بجعل منه سبحانه، فان کان ثبوتها في العهدة موقتة سقطت بانتهاء وقتها علی أساس سقوط الحکم بسقوط موضوعه، وحینئذ فان قام دلیل علی وجوب الاتیان بالبدیل لها خارج الوقت فهو ثابت في الذمة، والّا فلا شيء علیه، ولا فرق في ذلک بین الواجبات الأولیة والواجبات الثانویة کالنذر ونحوه، نعم قد ورد في صحیحة ضریس الکناسي قال: «سألت أبا جعفر عن رجل علیه حجة الإسلام، نذر نذرا في شکر لیحجن به رجلا الی مکة، فمات الذي نذر قبل أن یحج عنه حجة الإسلام ومن قبل أن یفي بنذره الذي نذر، قال: إن ترک مالا یحج عنه حجة الإسلام من جمیع المال، واخرج من ثلثه ما یحج به رجلا لنذره، وقد وفي بالنذر، وإن لم یکن ترک مالا الّا بقدر ما یحج به حجة الإسلام حج عنه بما ترک، ویحج عنه ولیّه حجّة النذر، إنما هو مثل دین علیه»(الوسائل باب: 29 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 1)، تدل علی وجوب القضاء في نذر الاحجاج، ولکن لابد من الاقتصار علی موردها، وهو نذر الاحجاج، ولا یمکن التعدي عنه الی سائر الموارد، فانه بحاجة الی قرینة، ثم انه یخرج من الثلث لا من الأصل، لأن الخارج من الأصل أمران:

أحدهما: الدین المالي أعم من الشرعي والعرفي.

والآخر: حجة الإسلام. ولا دلیل علی خروج غیرهما من الأصل، وأما تشبیهه بالدین کما في الصحیحة فانما هو بلحاظ وجوب قضائه بدلا عنه، وأنه لا یسقط عن ذمته الا بالاتیان به عنه، هذا اضافة الی أنه قد صرح في نفس الصحیحة علی أنه یخرج من الثلث، في مقابل حجة الإسلام التي تخرج من الأصل، وقد نص علی ذلک أیضا في صحیحة عبد الله بن أبي یعفور قال: «قلت لأبي عبد الله: رجل نذر لله إن عافی الله ابنه من وجعه لیحجّنه الی بیت الله الحرام، فعافي الله الابن ومات الأب، فقال: الحجة علی الأب یؤدیها عنه بعض ولده، قلت: هي واجبة علی ابنه الذي نذر فیه، فقال: هي واجبة علی الأب من ثلثه، أو یتطوع ابنه فیحج عن أبیه...»(الوسائل باب: 29 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 3) وأمّا ما في ذیل الصحیحة الأولی من أنه إذا لم یترک مالا الا بقدر ما یحج به حجة الإسلام یحج عنه ولیه حجة النذر، فهو وإن کان ظاهرا في وجوب القضاء علی الولي من ماله الخاص، الا أنه خلاف الضرورة الفقهیة، فلابد من حمله علی الاستحباب.

ودعوی: ان اعراض الاصحاب عنهما في موردهما، وعدم العمل بهما موجب لوهنهما وسقوطهما عن الاعتبار.

مدفوعة: لما ذکرناه غیر مرة من أنه لا قیمة لهذه الدعوی لا نظریة ولا تطبیقیة، وبذلک یظهر حال ما ذکره الماتن في المسألة.

3- الفیاض: مر أنه مناص من العمل بهما في موردهما. نعم لا یمکن التعدي عنه الی سائر الموارد والحکم بوجوب القضاء فیها.

 

 مسألة 9: إذا نذر الحجّ مطلقآ أو مقيّداً بسنة معيّنة ولم‌يتمكّن من الإتيان به حتّى مات، لم‌يجب القضاء عنه(1)، لعدم وجوب الأداء عليه حتّى يجب القضاء عنه، فيكشف ذلک عن عدم انعقاد نذره.

1- الفیاض: فیه ان عدم وجوب القضاء لیس من جهة ان الأداء غیر واجب علیه، بل من جهه بطلان النذر وعدم الموضوع لوجوب القضاء، علی أساس أن صحة النذر مشروطة بالقدرة علی العمل المنذور فیه في وقته، فاذا لم یقدر کشف عن بطلانه من الأول.

 

مسألة 10: إذا نذر الحجّ معلّقآ على أمر كشفاء مريضه أو مجيء مسافره فمات قبل حصول المعلّق عليه، هل يجب القضاء عنه أم لا ؟(1) المسألة مبنيّة  على أنّ التعليق من باب الشرط  أو من قبيل الوجوب المعلّق(2)؛ فعلى الأوّل لايجب، لعدم الوجوب عليه بعد فرض موته قبل حصول الشرط وإن كان متمكّنآ من حيث المال وسائر الشرائط؛ وعلى الثاني يمكن أن يقال بالوجوب، لكشف حصول الشرط عن كونه واجباً عليه من الأوّل، إلّا أن يكون نذره منصرفاً إلى بقاء حياته حين حصول الشرط.

1- الفیاض: الظاهر أنه لا اشکال في عدم وجوب القضاء عنه، فان موته لما کان قبل تحقق شرط وجوب الوفاء به فهو کاشف عن بطلانه، اذ قبل الموت لم یتحقق شرطه، وبعده فلا قدرة علیه.

ودعوی: ان وجوب الوفاء فعلي، والواجب متأخر، کالواجب المعلق، فاذن یکون الموت في زمن الوجوب لا قبله.

مدفوعة: اما أولا: فلأن کونه من الواجب المعلق الذي ذکرنا في علم الأصول أنه قسم من الشرط المتأخر، ولیس في مقابله، وإن کان ممکنا، لما ذکرناه هناک من أن الشرط المتأخر في مرحلة المبادی والاتصاف وإن کان مستحیلا، الّا أنه لا مانع منه في مرحلة الاعتبار، ولکن وقوعه في الخارج بحاجة الی دلیل، ولا یکفي مجرد تعلیق النذر علی أمر غیر اختیاري، کشفاء المریض ونحوه، لأن مقصود الناذر من هذا التعلیق ارتکازا هو أن الوجوب یتحقق بعد تحقق الشرط، لا أنه متحقق من حین النذر بنحو الشرط المتأخر.

و ثانیا: مع الاغماض عن ذلک، وتسلیم انه بنحو الوجوب المعلق، الّا أن هذا الوجوب کما أنه مشروط بالشرط المذکور مشروط بالقدرة أیضا، فاذا مات الناذر قبل تحقق الشرط یکشف عن عدم القدرة علی المنذور في وقت العمل، فاذا لم یکن قادرا علیه في ذلک الوقت کان کاشفا عن بطلانه من الأول، وعدم الوجوب في الواقع وإن قلنا بأنه مشروط بالقدرة في ظرف العمل بنحو الشرط المتأخر.

2- الفیاض: مر أنه لا وجوب للوفاء بالنذر في الواقع وإن قلنا أن من باب الوجوب المعلق، باعتبار أن موت الناذر یکشف عن عدم قدرته علیه في ظرف العمل، وهو یکشف عن بطلانه من الأول.

 

 

مسألة 11: إذا نذر الحجّ وهو متمكّن منه فاستقرّ عليه، ثمّ صار معضوباً لمرض أو نحوه أو مصدوداً بعدوّأ ونحوه، فالظاهر وجوب استنابته حال حياته(1)، لما مرّ من الأخبار سابقاً في وجوبها؛ ودعوى اختصاصها  بحجّة الإسلام ممنوعة، كما مرّ سابقاً(2). وإذا مات، وجب القضاء عنه(3). وإذاصار معضوباً أو مصدوداً قبل تمكّنه واستقرار الحجّ عليه، أو نذر وهو معضوب أو مصدود حال النذر مع فرض تمكّنه من حيث المال، ففي وجوب الاستنابة وعدمه حال حياته ووجوب القضاء عنه بعد موته قولان؛ أقواهما العدم وإن قلنا بالوجوب  بالنسبة إلى حجّة الإسلام(4)، إلّا أن يكون قصده من قوله: للّه علىّ أن أحجّ، الاستنابة.

1- الفیاض: في الظهور اشکال بل منع، والأقوی عدم وجوب الاستنابة علیه، لعدم الدلیل، فان الروایات التي تنص علی وجوبها لا تعم الحج النذري، بل الظاهر منها اختصاصها بحجة الإسلام، وقد تقدم منه1 في الفصل السابق في المسألة (72) عدم وجوب الاستنابة في الحج النذري والإفسادي، وأن القدر المتیقن منها هو حجة الإسلام.

2- الفیاض: قد سبق منه1 خلافه في المسألة (72) من الفصل السابق.

3- الفیاض: مر في المسألة (8) أنه لا دلیل علی وجوب القضاء عنه الّا في نذر الاحجاج.

4- الفیاض: الظاهر وجوب الاستنابة علی من  عنده الامکانیة المالیة لحجة الإسلام اذا منعه عن ممارستها مباشرة مرض أو حصر أو غیرهما مما یعذره الله تعالی فیه، لإطلاق النص وهو صحیحة الحلبي عن أبي عبد الله: «قال: اذا قدر الرجل علی ما یحج به، ثم دفع ذلک، ولیس له شغل یعذره به، فقد ترک شریعة من شرایع الإسلام، وإن کان موسرا وحال بینه وبین الحج مرض أو حصر أو أمر یعذره الله فیه فان علیه أن یحج عنه من ماله صرورة لا مال له...»(الوسائل باب: 6 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 3).

فانه باطلاقه یشمل ما اذا طرأ المانع في ستة الاستطاعة، وأما الحج النذري فالظاهر أنه غیر منعقد في المقام، علی أساس أن صحته مشروطة بالتمکن والقدرة علی الوفاء به في ظرفه، والفرض عدمه، فاذن لا مجال للبحث عن وجوب الاستنابة عنه.

 

 مسألة 12: لو نذر أن يحجّ رجلا في سنة معيّنة فخالف مع تمكّنه، وجب عليه القضاء(1) والكفّارة، وإن مات قبل إتيانهما يقضيان من أصل التركة(2)، لأنّهما واجبان ماليّان بلا إشكال؛ والصحيحتان المشار إليهما سابقاً الدالّتان على الخروج من الثلث، معرض عنهما(3) كما قيل، أو محمولتان على بعض المحامل، وكذا إذا نذر الإحجاج من غيرتقييد بسنة معيّنة مطلقاً أو معلّقاً على شرط وقد حصل وتمكّن منه وترک حتّى مات، فإنّه يقضى عنه من أصل التركة(4). وأمّا لو نذرالإحجاج بأحدالوجوه ولم‌ يتمكّن منه حتّى مات، ففي وجوب‌ قضائه وعدمه وجهان؛ أوجههما ذلک(5)، لأنـّه واجب ماليّ أوجبه على نفسه فصار ديناً، غاية الأمر أنـّه ما لم‌ يتمكّن معذور. والفرق بينه وبين نذر الحجّ بنفسه أنـّه لايعدّ ديناً مع عدم التمكّن منه واعتبار المباشرة، بخلاف الإحجاج فإنّه كنذر بذل المال، كما إذا قال: للّه علىّ أن اُعطي الفقراء مأة درهم(6)، ومات قبل تمكّنه؛ ودعوى كشف عدم التمكّن عن عدم الانعقاد ممنوعة؛ ففرق بين إيجاب مال على نفسه أو إيجاب عمل مباشريّ وإن استلزم صرف المال، فإنّه لايعدّ دينآ عليه بخلاف الأوّل.

 1- الفیاض: في وجوب القضاء اشکال بل منع، لعدم الدلیل علیه، فان الدلیل علی وجوب قضاء نذر الاحجاج مختص بالصحیحتین المتقدمتین، هما صحیحة ضریس (الوسائل باب: 29 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 1) وصحیحة ابن أبي یعفور (الوسائل باب: 29 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 3)، وبما أن موردهما نذر الإحجاج بدون التقیید بسنة معینة ووقت خاص، فلا یمکن التعدي عنه الی نذر الاحجاج المقید بسنة معینة، فانه بحاجة الی قرینة، باعتبار أن الحکم وهو وجوب القضاء یکون علی خلاف القاعدة، والفرض أنه لا قرینة علیه لا في الداخل ولا من الخارج.

ودعوی: أن صحیحة ضریس باطلاقها تعم نذر الاحجاج المقید بسنة خاصة.

مدفوعة: فان قوله: «ومن قبل أن یفي بنذره...»(الوسائل باب: 29 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 1) یدل علی أنه مطلق، علی أساس أن الظاهر منه أنه مأمور بالوفاء بالنذر الی حین الموت، وهذا لا یمکن الّا أن یکون النذر مطلقا، اذ لو کان مقیدا بسنة خاصة، فان مات قبل تلک السنة أو فیها کان کاشفا عن بطلان النذر لمکان عدم القدرة، وإن مات بعدها فقد سقط عنه الأمر بالوفاء به بسقوط موضوعه وهو الوقت، غایة الأمر إن کان تارکا الوفاء به عامدا وملتفتا الی الحکم الشرعي کان آثما، وعلیه الکفارة، وإلّا فلا شيء علیه.

فالنتیجة: انه لا یتصور کونه مأمورا فعلا بالوفاء والعمل بذلک النذر الموقت، فان موته ان کان قبل الوقت أو فیه فهو کاشف عن بطلانه من الأول وعدم انعقاده، وإن کان بعده فقد سقط عنه بسقوط موضوعه، فمن أجل ذلک لا یکون مشمولا للصحیحة.

2- الفیاض: بل من الثلث علی تقدیر تسلیم وجوب القضاء في هذا الفرض، لما مر من أنه لا دلیل علی أن کل واجب مالي یخرج من الأصل کالکفارة ونحوها، فان الثابت بالنص انما هو الدین المالي الأعم من العرفي والشرعي، کالخمس والزکاة ونحوهما اذا کانت في الذمة، وحجة الإسلام، ولا دلیل علی ما عدا ذلک، هذا اضافة الی نص الصحیحتین المذکورتین علی أن قضاء نذر الاحجاج یخرج من الثلث.

3- الفیاض: هذا لا من جهة الاعراض عنهما، بل من جهة ما مر من أن الصحیحتین في نفسهما لا تشملان نذر الاحجاج الموقت، والّا فقد مر أنه لا أثر للإعراض، ولا توجب سقوطهما عن الاعتبار.

4- الفیاض: بل یقضی من الثلث، لما تقدم من أنه مضافا إلی عدم الدلیل علی أنه یقضی من الأصل، قد نصت الصحیحتان المذکورتان علی أنه یقضی من الثلث.

ودعوی الاجماع علی أنه یخرج من الأصل، مدفوعة بأنه لا طریق لنا الی اثبات الاجماع في المسألة لا تطبیقیا ولا نظریا.

5- الفیاض: بل الأظهر التفصیل بین النذر المعلق والنذر المطلق، فعلی الأول وجوب القضاء، وعلی الثاني عدم وجوبه.

اما وجه الوجوب علی الأول، فهو لیس من جهة ما ذکره الماتن، من أنه دین، فانه لو تم لکان مقتضاه عدم الفرق بین النذر المعلق والمطلق، فکما ان الأول دین فکذلک الثاني، وقد تقدم أنه لا دلیل علی أن کل دین یجب قضاؤه، فان جمیع الواجبات الإلهیة دین علی الناس، مع أنه لا یجب قضاؤها، الا ما قام الدلیل علی وجوب قضائه، بل من جهة صحیحة مسمع، قال: «قلت لأبي عبد الله: کانت لي جاریة حبلی، فنذرت لله عز وجل ان ولدت غلاما أن احجّه، أو أحج عنه، فقال: ان رجلا نذر لله عز وجل في ابن له إن هو ادرک أن یحج عنه أو یحجّه، فمات الأب وأدرک الغلام بعد، فأتی رسول الله6 الغلام فسأله عن ذلک، فأمر رسول الله6 أن یحج عنه مما ترک أبوه»(الوسائل باب: 16 من أبواب کتاب النذر والعهد الحدیث: 1) فانها تدل بالمطابقة علی وجوب قضاء النذر المعلق وان مات الناذر قبل حصول المعلق علیه خارجا، وبالالتزام علی صحة هذا النذر، وبما أن موردها النذر المعلق فلا یمکن التعدي عنه الی النذر المطلق اذا مات الناذر قبل التمکن منه، فانه بحاجة الی قرینة، ولا قرینة علیه، فمن أجل ذلک فالأظهر هو التفصیل بینهما.

ثم إن مقتضی اطلاق قوله في الصحیحة: «مما ترک أبوه» جواز اخراجه من الأصل، ولکن لابد من تقیید هذا الاطلاق بالصحیحتین المتقدمتین الناصتین علی اخراجه من الثلث تطبیقا لحمل الظاهر علی النص.

6- الفیاض: تقدم أن مفاده لا یرجع الی اشتغال ذمة الناذر للفقراء، وکونه مدیونا لهم، بل مفاده الالتزام بالاعطاء والبذل علیهم للع تعالی، وعلیه فبما أن الناذر مات قبل التمکن منه، فلا ینعقد نذره، وقد مر أنه لا یمکن التعدي عن مورد صحیحة مسمع الی مثل هذا الموارد.

 

 

مسألة 13: لو نذر الإحجاج معلّقآ على شرط كمجيء المسافر أو شفاء المريض، فمات قبل حصول الشرط مع فرض حصوله بعد ذلک وتمكّنه منه قبله، فالظاهر وجوب القضاء عنه(1)، إلّا أن يكون مراده التعليق  على ذلک الشرط مع كونه حيّاً حينه. ويدلّ على ما ذكرنا خبر مسمع بن عبدالملک فيمن كان له جارية حبلى فنذر إن هي ولدت غلاماً أن يحجّه أو يحجّ عنه، حيث قال الصادق علیه السّلام بعد ما سئل عن هذا: «إنّ رجلا نذر في ابن له إن هو أدرک أن يحجّه أو يحجّ عنه، فمات الأب وأدرک الغلام بعد، فأتى رسول اللّه  صلّی الله علیه وآله فسأله عن ذلک، فأمر رسول اللّه صلّی الله علیه وآله أن يحجّ عنه ممّا ترک أبوه» وقد عمل به جماعة، وعلى ما ذكرنا لايكون مخالفاً للقاعدة(2) كما تخيّله سيّد الرياض وقرّره عليه صاحب الجواهر  وقال: إنّ الحكم فيه تعبّديّ على خلاف القاعدة.

1- الفیاض: لصحیحة مسمع، ولکنه یخرج من الثلث لا من الأصل – کما مر.

2- الفیاض: بل هو مخالف لها، اذ مقتضاها بطلان النذر اذا مات الناذر قبل حصول المعلق علیه في الخارج، باعتبار أن موته کاشف عن أنه لم یکن متمکنا من الوفاء به في ظرفه، ولکن مع ذلک لا مناص من العمل بالصحیحة في موردها.

 

مسألة 14: إذا كان مستطيعآ ونذر أن يحجّ حجّة الإسلام انعقد على الأقوى وكفاه حجّ واحد، وإذا ترک حتّى مات وجب القضاء عنه(1) والكفّارة من تركته(2)، وإذا قيّده بسنة معيّنة فأخّر عنها وجب عليه الكفّارة؛ وإذا نذره في حال عدم الاستطاعة انعقد أيضآ ووجب عليه تحصيل الاستطاعة مقدّمةً، إلّا أن يكون مراده الحجّ بعد الاستطاعة.

1- الفیاض: مر في المسألة (10) أنه لا دلیل علی وجوب القضاء عنه والاتیان بالبدیل بعنوان الحج المنذور فیه وانما یجب علیه القضاء عنه والاتیان بالبدیل بنیة حجة الإسلام وباسمها.

2- الفیاض: بل من الثلث کما مر.

 

 

مسألة 15: لايعتبر في الحجّ النذريّ الاستطاعة الشرعيّة(1)، بل يجب مع  القدرة العقليّة، خلافاً للدروس؛ ولا وجه له، إذ حاله حال سائر الواجبات الّتي تكفيها القدرة عقلا.

1- الفیاض: الظاهر اعتبارها فیه، لما مر من ان المستفاد من مثل قوله: «شرط الله قبل شرطکم» (الوسائل باب: 38 من أبواب المهور الحدیث: 1) هو أن الالتزامات والشروط من قبل الناس انما تلحظ في مرتبة متأخرة عن شروط الله تعالی، وهذا یعني أن وجوب الوفاء بها مشروط بأن لا یکون مسبوقا بشرط الله في المرتبة السابقة وبقطع النظر عنه، والّا فلا وجوب له، ومن هنا قلنا إن وجوب الوفاء بالنذر لا یصلح أن یزاحم أي وجوب شرعي مجعول من الله تعالی في الشرع، لأنه بصرف وجوده فیه رافع له حقیقة، ووارد علیه، وهذا معنی أنه مشروط بالقدرة الشرعیة، بمعنی عدم المانع الأعم من التکویني والتشریعي، وبذلک یظهر حال ما في المتن.

 

 

مسألة 16: إذا نذر حجّاً غير حجّة الإسلام في عامه وهو مستطيع، لم‌ينعقد(1) ، إلّا إذا نوى ذلک على تقدير زوالها فزالت، ويحتمل الصحّة مع الإطلاق أيضاً إذا زالت، حملا لنذره على الصحّة(2).

1- الفیاض: هذا هو الصحیح، لا من جهة أن وجوب حجة الإسلام أهم من وجوب الوفاء بالنذر، والّا لأمکن الحکم بصحة الحج المنذور فیه علی تقدیر عدم الاشتغال بحجة الإسلام علی القول بالترتب، بل من جهة ما ذکرناه من أن وجوب الوفاء بالنذر لا یصلح أن یزاحم وجوب الحج، فانه بصرف وجوده وثبوته في الشرع رافع له حقیقة بارتفاع موضوعه، باعتبار أنه مشروط بعدم وجوده لا بعدم الاشتغال بمتعلقه.

2- الفیاض: فیه انه لا مجال للتمسک بأصالة الصحة في المقام.

اما اولا: فلأن الشبهة في المقام بما أنها حکمیة، باعتبار أن مرد الشک فیه الی الشک في أن صحة نذر الحجة في عام الاستطاعة هل هي مشروطة بأن لا یکون في عامها أو لا؟ فلا یمکن التمسک فیها بأصالة الصحة، لأنها مختصة بالشبهات الموضوعیة، ومفادها تطبیق الحکم الکلي علی مصادیقه، لا اثباته وجعله، والّا لکانت من القواعد الأصولیة دون الفقهیة، مع أن الأمر لیس کذلک.

وثانیا: إنا ذکرنا في علم الأصول أن أصالة الصحة من الأصول العقلائیة في باب العقود والایقاعات وقد بنی علیها العقلاء، وحیث أن بنائهم علی العمل بشيء لا یمکن أن یکون جزافا، فلا محالة یکون مبنیا علی نکتة مبررة له، وتلک النکتة هي کاشفیة تلک الأصالة وأماریتها النوعیة الناشئة من ظهور حال الانسان في بابي العقود والایقاعات، وعلی هذا فأصالة الصحة لا تقتضي حمل نذر الحج في عام الاستطاعة علی المقید بزوالها حتی یکون صحیحا، وذلک لأمور:

الأول: إن الشبهة في المقام حکمیة کما مر، ولا تجري فیها أصالة الصحة، لأن مفادها لیس اثبات صحة العقد او الإیقاع المشکوک في الشریعة المقدسة صحتها وجعلها، بل مفادها أن المشکوک مصداق للصحیح فیها، بمعنی أنه واجد لتمام واجباته من الأجزاء والشروط اولا.

الثاني: ان الناذر في المقام لم ینو المقید، وانما نوی المطلق، فلا یدور ما صدر منه بین المطلق والمقید حتی تقتضي اصالة الصحة أنه مقید.

الثالث: مع الاغماض عن ذلک، وتسلیم أن ما صدر منه مردد بین المطلق والمقید، الّا أن الأصالة انما تقتضي حمله علی المقید اذا کان الناذر حین النذر ملتفتا الی تمام ما هو دخیل في صحته من الشروط والقیود، منها تقییده بزوال الاستطاعة، وأما إذا کان غافلا، أو معتقدا صحته، مطلقا، فلا تجري الأصالة، لما مر من أنها من الأصول العقلائیة التي تکون حجیتها من باب الکاشفیة والأماریة، دون الأصول التعبدیة الصرفة.

فالنتیجة: انه لا مجال للتمسک بأصالة الصحة في المقام أصلا.

ثم إن هل یمکن الحکم بصحة هذا النذر؟ أو أن صحته مشروطة بأن لا یکون في عام الاستطاعة؟ الظاهر هو الثاني، بل لا شبهة فیه، لما مر في غیر مورد من أن وجوب الوفاء بالنذر لا یصلح أن یزاحم أيّ وجوب آخر ثابت في الشرع بقطع النظر عنه، فمن أجل ذلک لا یمکن وجوب الوفاء بالنذر مع وجوب حجة الإسلام، وأما إذا نذر الحج في عام الاستطاعة، ثم زالت، فهل یمکن الحکم بصحة هذا النذر أو لا؟ فیه وجهان: قد یقال بالأول، بدعوی أن مقتضی اطلاق دلیل وجوب الوفاء بالنذر وجوب الوفاء به، والخارج من هذا الاطلاق إنما هو النذر المزاحم للواجب، فاذا زالت الاستطاعة ینکشف أنه لا مزاحم لنذره في الواقع وإن کان الناذر لا یعلم بذلک.

والجواب: أن النذر أمر قصدي یتبع قصد الناذر في السعة والصیق، وعلی هذا فإن کان قاصدا الحج في عام الاستطاعة مطلقا، أي سواء أزالت الاستطاعة أم لا، فهو غیر صحیح، والمقید وهو الحصة المساوقة لزوال الاستطاعة غیر مقصود، وإن کان قاصدا المقید فهو وإن کان صحیحا، الّا أنه خلاف الفرض، فان المفروض أنه قاصد المطلق، الّا أن یکون المراد من المطلق الطبیعة المهملة المساوقة للموجبة الجزئیة، لکن ذلک خلاف مفروض الکلام في المسألة، فانه انما هو في المطلق المقابل للمقید.

فالنتیجة: ان الناذر اذا نذر حجا آخر في عام الاستطاعة مطلقا، فلا یمکن تصحیحة، لأن ما قصده وهو المطلق لا یمکن الحکم بصحته، وما یمکن الحکم بصحته وهو المقید، یعني حصة خاصة منه وهي المساوقة لزوال الاستطاعة غیر مقصود، فلذلک لا یمکن الحکم بصحة النذر المطلق في سنة الاستطاعة.

فتحصل أن ما أفاده الماتن من الحمل علی الصحة في صورة اطلاق الناذر النذر وعدم قصد التقیید لا یمکن الأخذ به.

 

 

 مسألة 17: إذا نذر حجّآ في حال عدم الاستطاعة الشرعيّة ثمّ حصلت له، فإن كان موسّعآ أو مقيّدآ بسنة متأخّرة، قدّم حجّة الإسلام (1) لفوريّتها، وإن كان مضيّقآ بأن قيّده بسنة معيّنة وحصل فيها الاستطاعة أو قيّده بالفوريّة قدّمه(2)، وحينئذٍ فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجبت، وإلّا فلا، لأنّ المانع الشرعيّ كالعقليّ، ويحتمل وجوب تقديم النذر(3) ولو مع كونه موسّعاً، لأنـّه دين عليه، بناءً على أنّ الدين ولو كان موسّعاً يمنع عن تحقّق الاستطاعة، خصوصاً مع ظنّ عدم تمكّنه من الوفاء بالنذر إن صرف استطاعته في حجّة الإسلام.

1- الفیاض: هذا اذا کان الحج المنذور مقیدا بسنة متأخرة عن سنة حصول الاستطاعة، وأما اذا کان موسعا فینطبق علی ما أتی به في عام الاستطاعة من الحج، کما ینطبق علیه حجة الإسلام، باعتبار أنها عبارة عن الحجة الأولی للمستطیع شریطة أن یکون قاصدا لکلا العنوانین والاسمین الممیزین لهما شرعا.

2- الفیاض: التقدیم ممنوع، ولا أصل له، وذلک لأن الناذر إن قصد حجة أخری غیر حجة الإسلام في تلک المعینة التي حصلت الاستطاعة فیها، کشف حصولها عن بطلان النذر وعدم انعقاده، لما مر من أنه لا یصلح أن یزاحم وجوب حجة الإسلام فیها، فانه بصرف وجوده وثبوته في الشرع رافع له بارتفاع موضوعه، وإن قصد به حجة الإسلام وفاء للنذر کفی ویکون مصداقا لهما معا.

3- الفیاض: فیه أن هذا الاحتمال ضعیف جدا، لما مر من أن وجوب الوفاء بالنذر لا یصلح أن یزاحم وجوب الحج، فضلا عن احتمال تقدیمه علیه، ومجرد کونه دینا بمعنی ثبوته في ذمة الناذر لا یصلح لذلک، فان ما یتقدم علی وجوب الحج في المقام المزاحمة انما هو وجوب الوفاء بالدین المالي لا مطلق الدین.

وإن شئت قلت: إن وجوب الحج مشروط بالاستطاعة التي هي مرکبة من العناصر التالیة، الامکانیة المالیة لدی الشخص، والأمن والسلامة في الطریق وعند ممارسة أعمال الحج علی نفسه وعرضه وماله، وما به الکفایة، فاذا توفرت هذه العناصر فیه وجوب علیه الحج، وحینئذ فإذا کان علیه دین مالي شرعا أو عرفا وقع التزاحم بین وجوب أدائه، ووجوب الحج، وبما أن وجوب أدائه أهم أو محتمل الأهمیة فیتقدم علیه.

 

 

مسألة 18: إذا كان نذره في حال عدم الاستطاعة فوريّاً، ثمّ استطاع(1) وأهمل عن وفاء النذر في عامه، وجب الإتيان به  في العام القابل مقدّماً على حجّة‌الإسلام وإن بقيت الاستطاعة إليه، لوجوبه عليه فوراً ففوراً(2)، فلايجب عليه حجّة الإسلام إلّا بعد الفراغ عنه؛ لكن عن الدروس أنّه قال بعد الحكم بأنّ استطاعة النذر شرعيّة لا عقليّة، فلو نذر ثمّ استطاع صرف ذلک إلى النذر(3)، فإن أهمل واستمرّت الاستطاعة إلى العام القابل وجب حجّة الإسلام أيضاً(4). ولا وجه له(5)؛ نعم، لو قيّد نذره بسنة معيّنة وحصل فيها استطاعة فلم يف به وبقيت الاستطاعة إلى العام المتأخّر، أمكن أن يقال بوجوب حجّة الإسلام أيضاً، لأنّ حجّه النذريّ صار قضاءً موسّعاً(6)، ففرق بين الإهمال مع الفوريّة والإهمال مع التوقيت، بناءً على تقديم حجّة الإسلام مع كون النذر موسعاً(7).

1- الفیاض: فیه ان الاستطاعة تکشف عن بطلان النذر وعدم انعقاده، لما مر من أن وجوب الوفاء به مشروط حدوثا وبقاء بأن لا یکون مخالفا لشرط الله في المرتبة السابقة، والّا فلا موضوع له، وبما أنه في المقام مخالف لوجوب الحج بعد الاستطاعة فبطبیعة الحال یرتفع بارتفاع موضوعه، هذا اذا کان الحج المنذور غیر حجة الإسلام. وأما إذا کان طبیعي الحج القابل للانطباق علیها فلا تنافي بینهما، وحینئذ فإن أتی بالحج في هذه السنة انطبق علیه کل من حجة الإسلام والحج المنذور شریطة أن یکون قاصدا لهما باسمیهما الممیزین لهما شرعا، فاذن یکون مصداقا لحجة الإسلام التي هي عبارة عن الحجة الأولی للمستطیع والحج المنذور معا لانطباقهما علیه، وکذلک الحال اذا أهمل في السنة الأولی وأتی به في السنة الثانیة کذلک بشرط أن لا یکون نذره مقیدا بالسنة الأولی، والّا فعلیه الکفارة والإثم دون القضاء، کما تقدم.

2- الفیاض: مر أن وجوبه یرتفع وجدانا بوجوب الحج بالاستطاعة بارتفاع موضوعه، وعلیه فلا وجوب للوفاء به حتی یتقدم علی وجوب الحج ویکون محرکا للمکلف نحو الوفاء به فورا ففورا، وقد تقدم أن ما ذکره الماتن من تقدیم وجوب الوفاء بالنذر علی وجوب الحج مبني علی أن یکون وجوب الحج مشروطا بالقدرة الشرعیة، بمعنی عدم المانع الأعم من التکویني والتشریعي، ووجوب النذر مشروطا بالقدرة العقلیة أو الشرعیة، بمعنی عدم الاشتغال بضد واجب، وحینئذ یکون مانعا تشریعیا عن وجوب الحج.

ولکن قد ذکرنا هناک أن الأمر بالعکس تماما، لأن المستفاد من دلیل وجوب الوفاء بالنذر أنه مشروط بعدم ثبوت حکم شرعي في مورده في المرتبة السابقة وبقطع النظر عنه، ومن هنا قلنا إنه لا یصلح أن یزاحم أي حکم شرعي ثابت في الشرع، فانه بصرف ثبوته فیه رافع له بارتفاع موضوعه وجدانا، واما المستفاد من دلیل وجوب الحج کالآیة الشریفة والروایات المفسرة لها، أنه مشروط بالقدرة التکوینیة العقلیة، في مقابل العجز التکویني الاضطراري، وأمّا تسمیتها بالقدرة الشرعیة فمن أجل أنها دخیلة في ملاک الحکم في مرحلة المبادئ أیضا، وهذا یعني أنها کما تکون من شروط الحکم في مرحلة الاعتبار تکون من شروط الاتصاف في مرحلة المبادي، کغیرها من القیود المأخوذة في لسان الدلیل في موضوع الحکم، وبذلک تمتاز عن القدرة العقلیة الصرفة، فإنها شرط للحکم في مرحلة الاعتبار فقط، بملاک حکم العقل بقبح تکلیف العاجز.

3- الفیاض: بل صرف في الحج، لما مر من أن الاستطاعة تکشف عن بطلان النذر من الأول، اذ لا یمکن ثبوت وجوب الوفاء به مع وجوب الحج بالاستطاعة.

4- الفیاض: بل ظهر مما مر أن وجوبها هو المتعین، لأنه بصرف وجوده رافع لوجوب الوفاء بالنذر بارتفاع موضوعه.

5- الفیاض: تبیّن مما مر أنه کما لا وجه لما ذکره الشهید1 لا وجه لما ذکره الماتن أیضا، هذا اضافة الی أنّا لو قلنا فرضا بتقدیم النذر علی الحج بملاک أن وجوب الحج مشروط بالقدرة الشرعیة دون وجوب الوفاء بالنذر، فلا فرق بین السنة الأولی والثانیة، لأن وجوب الوفاء بالنذر في کلتا السنتین رافع لوجوب الحج بارتفاع موضوعه، الّا أن یکون مراد الشهید1 من ذلک أن النذر إنما یتقدم علی الحج اذا سبقه زمنا لا مطلقا، وبما أن ذلک في السنة الأولی فیتقدم علیه تطبیقا للترجیح بالسبق الزمني، وأما إذا تماهل وتسامح فیه ولم یأت في السنة الأولی وقد ظلت الاستطاعة باقیة الی السنة اللاحقة فلا فرق بینهما في هذه السنة، لأن وجوب النذر فورا في السنة الأولی قد یسقط بسقوط موضوعه، وأما وجوبه فورا في السنة اللاحقة فلا یکون متقدما علیه زمنا، فاذن لا موجب للتقدیم، هذا، ولکن قد ذکرنا في علم الأصول أن السبق الزمني لا یکون مرجحا مستقلا في باب التزاحم، وبذلک یظهر حال ما بعده.

6- الفیاض: تقدم في المسألة (8) عدم الدلیل علی وجوب القضاء الّا في نذر الاحجاج.

7- الفیاض: مر منه1 في المسألة (17) احتمال تقدیم النذر علی الحج وإن کان موسعا، معللا بکونه دینا، ولکن قد تقدم أنه لا موضوع للنذر مع الحج، فضلا عن کونه مزاحما له أم مقدما علیه.

 

مسألة 19: إذا نذر الحجّ وأطلق من غير تقييد بحجّة الإسلام ولا بغيره وكان مستطيعاً أو استطاع بعد ذلک، فهل يتداخلان  فيكفي حجّ واحد عنهما، أو يجب التعدّد، أو يكفي نيّة الحجّ النذريّ عن حجّة الإسلام دون العكس؟(1) أقوال؛ أقواها الثاني(2)، لأصالة ‌تعدّد المسبّب بتعدّد السبب، والقول‌ بأنّ الأصل‌ هو التداخل‌ ضعيف؛ واستدلّ للثالث بصحيحتي رفاعة ومحمّد بن مسلم عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت‌الله فمشى، هل يجزيه عن حجّة الإسلام؟ قال علیه السّلام: «نعم»؛ وفيه: أنّ ظاهرهما كفاية الحجّ النذريّ عن حجّة الإسلام مع عدم الاستطاعة(3) وهو غير معمول به، ويمكن حملهما على أنـّه نذر المشي(4) لا الحجّ ثمّ أراد أن يحجّ فسئل علیه السّلام عن أنـّه هل يجزيه هذا الحجّ الّذي أتى به عقيب هذا المشي أم لا؟ فأجاب علیه السّلام بالكفاية؛ نعم، لو نذر أن‌يحجّ مطلقآ(5)، أىّ حجّ كان، كفاه عن‌نذره حجّة الإسلام، بل الحجّ النيابي وغيره أيضاً، لأنّ مقصوده حينئذٍ حصول الحجّ منه في الخارج بأىّ وجه كان.

1- الفیاض: یظهر وجهه مما مر من انه لا یکفي الاصل ولا العکس.

2- الفیاض: في القوة اشکال بل منع، والأظهر هو الأول، لما مر من أن النذر اذا کان متعلقا بطبیعي الحج الجامع فهو ینطبق علی حجة الإسلام أیضا انطباق الطبیعي علی فرده، ولا یرتبط ذلک بمسألة أم مقتضی الأصل فیما إذا تعدد السبب واتحد المسبب هل هو التداخل فیه أو لا؟ مثل (اذا أفطرت فکفّر) و(اذا ظاهرت فکفّر)، فان تلک المسألة أجنبیة عن المقام حیث أن محل الکلام فیه هو ما اذا تعلق النذر بالطبیعي الجامع، ووجوب الحج بحصة خاصة منه وهي حجة الإسلام المتمثلة في الحجة الأولی للمستطیع، وعلی هذا فاذا حج المستطیع ناویا به حجة الإسلام والحج النذري معا کفی عن کلیهما کذلک، لانطباق کل منهما علی الفرد المأتي به في الخارج، وإن نوی به التمتع بقصد حجة الإسلام فقط دون الحج النذري لم یکف عنه، لأن کل واجب اذا کان له اسم خاص الممیز له شرعا اذا اراد المکلف أن یأتي به لابد من أن یقصد به الاسم الخاص له، والّا لم یقع، فاذا نذر صوم یوم الجمعة في أول کل شهر رجب – مثلا – وصام ذلک الیوم مجردا عن قصد الوفاء بالنذر لم یف به، وانما وقع مستحبا، باعتبار أن الصوم بنفسه مستحب عام، وإن نوی به التمتع وفاء للنذر فحسب أجزأ عن الحج النذري دون حجة الإسلام، باعتبار أن عنوان حجة الإسلام عنوان قصدي.

3- الفیاض:فیه اشکال بل منع، اذ لا ظهور للروایتین في کفایة الحج النذري عن حجة الإسلام مع عدم الاستطاعة، بل الحکم باجزائه عنها فیهما قرینة علی أن ذلک کان مع الاستطاعة، اذ کیف یمکن أن یکون الحج النذري مجزیا عنها مع عدم الاستطاعة رغم أن الاستطاعة شرطا لوجوبها؟! بل في صحیحة رفاعة قرینة علی الاستطاعة، وإلیک نصّها: «قال: سألت أبا عبد الله عن رجل نذر أن یمشي الی بیت الله الحرام، هل یجزیه ذلک عن حجة الإسلام؟ قال: نعم. قال: وإن حج عن غیره ولم یکن له مال وقد نذر أن یحج ماشیا، أیجزي عنه ذلک من مشیه؟ قال: نعم»(الوسائل باب: 27 من أّبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 3) فان تقیید الحج عن غیره بعدم المال له یدل علی وجوبه عن نفسه اذا کان له مال، وهذا معنی اشتراطه بالاستطاعة، والّا لکان هذا التقیید لغوا اذا لم یکن فرق بین وجود المال عنده وعدم وجوده، هذا اضافة الی أن من تمکن من المشي الی بیت الله الحرام ومشی الیه ومارس أعمال الحج بدون الوقوع في مشقة وحرج لا مالا ولا بدنا فهو مستطیع، وقد ذکرنا في المسألة الرابعة من مسائل الاستطاعة المتقدمة أنه لا موضوعیة لوجود الراحلة، فان اعتبارها في الاستطاعة انما هي لدی الحاجة لا مطلقا، والروایتان تدلان علی أن من نذر أن یمشي الی مکة فمشی وحج کفی عن حجة الإسلام،ولا تدلان علی کفایته عنها بدون الاستطاعة، بل إن ذلک استطاعة ولا نقصد بها الّا تمکن الشخص مالا وبدنا وسربا من الحج وان کان تمکنه بدنا بالمشي الی بیت الله الحرام راجلا والاتیان بالحج بدون الوقوع في حرج، بل ان من المحتمل قویا أن یکون السؤال فیهما ناظرا الی أن القدرة علی المشي هل تکفي في الاستطاعة أو لا، وجواب الامام7 بالکفایة کما أنهما لا تنظران الی الکفایة عن حجة الإسلام بدون قصد اسمها الخاص الممیز لها شرعا باعتبار أن السؤال فیهما غیر متجه الی هذه الجهة أصلا.

4- الفیاض: وهذا الحمل غیر بعید من صحیحة رفاعة.

5- الفیاض: فیه أنه لا فرق بین التصریح بالاطلاق وعدمه، فاذا کان متعلق النذر مطلقا کفی عن حجة الإسلام شریطة أن یؤتی به باسمها الخاص وبعنوان الوفاء بالنذر – کما مر – لان المعیار انما هو باطلاق المتعلق وکونه قابلا للانطباق علی حجة الإسلام، ولا خصوصیة للتصریح به، نعم بناء علی ما ذکره الماتن من أن المقام داخل في مسألة ما اذا اجتمع سببان علی مسبب واحد وکان مقتضی القاعدة فیها التداخل، وحینئذ فان صرّح باطلاق متعلق النذر فهذا قرینة علی التداخل والإجزاء، والّا فمقتضی القاعدة عدمه، یعني عدم اجزاء الحج النذري عن حجة الإسلام.

 

 

مسألة 20: إذا نذر الحجّ حال عدم استطاعته معلّقاً على شفاء ولده مثلاً فاستطاع قبل حصول المعلّق عليه، فالظاهر تقديم حجّة الإسلام(1)، ويحتمل  تقديم  المنذور  إذا فرض حصول المعلّق عليه قبل خروج الرفقة مع كونه فوريّاً، بل هو المتعيّن(2)  إن كان نذره من قبيل  الواجب المعلّق.

 

1- الفیاض:بل هو المتعین حتی فیما اذا حصل المعلق علیه في الخارج، فانه اذا استطاع کشف ذلک عن بطلان النذر، لما مر من أن وجوب الوفاء به بمقتضی ما دل من «ان شرط الله قبل شرطکم»(الوسائل باب: 38 من أبواب المهور الحدیث: 1) لابد أن یلحظ شرط الله في مورده في المرتبة السابقة وبقطع النظر عنه، فان کان ثابتا فلا تصل النوبة الی دوره، وعلیه فیکون وجوب الحج بصرف ثبوته رافعا له بارتفاع موضوعه.

2- الفیاض: مر أن المتعین هو حجة الإسلام حتی اذا وجد المعلق علیه خارجا، فما ظنک بما قبل وجوده.

نعم علی مسلکه1 من أن وجوب الوفاء بالنذر مانع عن وجوب الحج، فما ذکره من الفرق بین أن یکون نذره علی نحو الواجب المعلق أو الواجب المشروط صحیح، حیث أن وجوبه علی الأول فعلي دون الثاني

مسألة 21: إذا كان عليه حجّة الإسلام والحجّ النذريّ ولم‌يمكنه الإتيان بهما، إمّا لظنّ الموت أو لعدم التمكّن إلّا من أحدهما، ففي وجوب تقديم الأسبق سبباً أو التخيير أو تقديم حجّة الإسلام لأهمّيتها وجوه؛ أوجهها الوسط وأحوطها الأخير(1)؛ وكذا إذا مات وعليه حجّتان ولم‌تف تركته إلّا لإحداهما؛ وأمّا إن وفت  التركة، فاللازم استيجارهما (2) ولو في عام واحد .

1- الفیاض: بل هو المتعین کما مر، ولا یصل الدور الی التزاحم بینهما حتی یرجع الی مرحجاته.

ومع الاغماض عن ذلک، وتسلیم أن الدور یصل الیه، الّا أن ما ذکره الماتن من أن الأوجه هو التخییر بینهما، والأحوط تقدیم حجة الإسلام، لا یمکن المساعدة علیه، لأن الجمیع بین التخییر والاحتیاط بالتقدیم لا یمکن، فان الأول مبني علی أن یکونا مستاویین، فاذا کانا کذلک تعین التخییر، والثاني مبني علی أن تکون حجة الإسلام محتملة الأهمیة، فاذا کانت کذلک تعین الاحتیاط، فلا یمکن الجمع بینه وبین التخییر.

2- الفیاض: فیه ما مر انه لا دلیل علی وجوب قضاءالحج المنذور و علی تقدیر وجوبه لا دلیل علی خروجه من الاصل

 

 

 مسألة 22: من عليه الحجّ الواجب بالنذر الموسّع، يجوز له الإتيان بالحجّ المندوب قبله(1).

 

1- الفیاض: هذا لا کلام فیه، لعدم الدلیل علی المنع عن الاتیان به قبله، وانما الکلام فیما اذا کانت علیه حجة الإسلام، فهل یجوز له الاتیان بالحج المندوب قبلها؟ فیه وجهان:

والتحقیق انه لا موضوع لهذا البحث في المقام، وذلک لخصوصیة في حجة الإسلام لا تکون متوفرة في الصلاة والصوم ونحوهما، وهي ان حجة الإسلام متمثلة في الحجة الأولی للمستطیع، وعلی هذا فان کان المستطیع ملتفتا الی هذه الخصوصیة فلا یتمکن من الاتیان بالحج الندبي الّا تشریعا، علی أساس أنه یری أن الحجة الأولی الواجبة علیه بعد الاستطاعة هي حجة الإسلام، ولا یتیح له الاتیان بها ندبا الا بالبناء علیه تشریعا، وعلی هذا فلا محالة تقع فاسدة، لا من جهة المزاحمة، والّا لأمکن الحکم بالصحة ندبا بالترتب، بل من جهة أنه تشریع ومحرم، حیث انه یعلم بأنها واجبة علیه في الواقع، ومع ذلک بنی علی أنها مستحبة تشریعا، وأتی بها بنیة الاستحباب، ومن المعلوم أن الاتیان بها کذلک مبغوض، فلا یمکن التقرب به.

وان کان جاهلا بالحال ولا یکون ملتفتا الی تلک الخصوصیة، وحینئذ فإن أتی باسم حجة الإسلام معتقدا أن الأمر المتعلق بها ندبي صحت، لأن ما أتی به مصداق لها، غایة الأمر انه لما کان جاهلا بالحال فقد أتی بها باسمها الخاص بداعي أمر الستحبابي خیالي مخطئا في التطبیق، ومن الواضح أن هذا لا یضر بالواقع ولا یؤثر فیه، وإن أتی بعنوان أنها مندوبة لم تصح لا بعنوان الحج المستحب ولا بعنوان حجة الإسلام، أما الأول فلا موضوع له باعتبار أنه لا یکون مأمورا بالحج المستحب استحبابا عاما، وأما الثاني فلما مر من أن صحتها مرتبطة بالاتیان بها باسمها الخاص الممیز لها شرعا، کما هو الحال في کل عبادة یکون لها اسم خاص ممیز لها وإن کانت فریدة في نوعها.

فالنتیجة: ان المعتبر في صحة العبادة انما هو قصد اسمها الخاص، فاذا أتی بها کذلک بأمل التقرب الی الله تعالی صحة، وأما قصد أمرها فهو غیر معتبر في صحتها، لأنه طریق الی الإتیان بها مضافة الیه سبحانه وتعالی، ولا موضوعیة له، ومن هنا إذا أتی بها بداعي محبوبیتها صحت.

 

مسألة 23: إذا نذر أن يحجّ أو يُحجّ، انعقد ووجب عليه أحدهما على وجه التخيير، وإذا تركهما حتّى مات يجب القضاء عنه مخيّراً (1) . و إذا طرأ العجز  من أحدهما معيّناً تعيّن الآخر، ولو تركه أيضاً حتّى مات يجب القضاء عنه مخيّراً أيضاً، لأنّ الواجب كان على وجه التخيير فالفائت هو الواجب المخيّر، ولاعبرة بالتعيين العرضي، فهو كما لو كان عليه كفّارة الإفطار في شهر رمضان وكان عاجزاً عن بعض الخصال ثمّ مات، فإنّه يجب  الإخراج عن تركته مخيّراً، وإن تعيّن عليه في حال حياته في إحداها فلايتعيّن في ذلک المتعيّن؛ نعم، لو كان حال النذر غير متمكّن إلّا من أحدهما معيّناً ولم‌يتمكّن من الآخر إلى أن مات، أمكن أن يقال  باختصاص القضاء بالّذي كان متمكّناً منه، بدعوى أنّ النذر لم‌ينعقد بالنسبة إلى ما لم‌يتمكّن منه(2)، بناءً على أنّ عدم التمكّن يوجب عدم الانعقاد، لكنّ الظاهر أنّ مسألة الخصال ليست كذلک، فيكون الإخراج من تركته على وجه التخيير وإن لم‌يكن في حياته متمكّناً إلّا من البعض أصلا. وربما يحتمل في الصورة المفروضة(3) ونظائرها عدم انعقاد النذر بالنسبة إلى الفرد الممكن أيضاً، بدعوى أنّ متعلّق النذر هو أحد الأمرين على وجه التخيير، ومع تعذّر أحدهما لايكون وجوب الآخر تخييريّاً، بل عن الدروس اختياره في مسألة ما لو نذر إن رزق ولداً أن يحجّه أو يحجّ عنه، إذا مات الولد قبل تمكّن الأب من أحد الأمرين؛ وفيه: أنّ مقصود الناذر إتيان أحد الأمرين(4) من دون اشتراط كونه على وجه التخيير، فليس النذر مقيّداً بكونه واجبآ تخييريّاً، حتّى يشترط في انعقاده التمكّن منهما.

1- الفیاض: في وجوب القضاء اشکال بل منع، لما تقدم من أن ما یجب قضاؤه عنه هو نذر الاحجاج، وأما نذر الحج فلا دلیل علی وجوب قضاه اذا فات، وأما اذا نذر الجامع بین نذر الاحجاج ونذر الحج، وترکهما حتی مات، فلا دلیل أیضا علی وجوب قضائه عنه، لأن ما دل علی وجوب قضاء نذر الاحجاج لا یعم ذلک حتی اذا تعین الا حجاج علیه في مفروض المسألة من جهة تعذر الفرد الآخر، لأن مورد ما دل علی وجوب القضاء هو ما اذا کان وجوب الاحجاج بسبب النذر، لا من جهة أخری، کحکم العقل بتعینه بملاک عجزه عن امتثال الواجب في ضمن فرد آخر، والتعدي عنه الیه بحاجة الی قرینة بعد ما یکون الحکم علی خلاف القاعدة.

2- الفیاض: هذا الاحتمال ضعیف جدا، لفرض أن النذر لم یتعلق بخصوص الفرد غیر المقدور حتی یکون باطلا، بل تعلق إما بالجامع بینه وبین الفرد المقدور باعتبار أن الجامع بینهما مقدور، ولا مانع من تعلق النذر به، ولا ینحل الی نذرین لکي یکون أحدهما باطلا من جهة کون متعلقه غیر مقدور، أو تعلق بخصوص الفرد المقدور، فعلی الأول اذا ترک الواجب وهو الجامع حتی اذا مات فعلی القول بوجوب القضاء عنه وجب في ضمن أحد فردیه دون خصوص الفرد المقدور لأنه لیس بواجب علی الفرض، ولا فرق في ذلک بین طرو العجز عن أحدهما بعد النذر، أو أنه عاجز عنه حین النذر. وعلی الثاني وجب قضاء الفرد علی تقدیر القول به، وبذلک یظهر حال ما في المتن.

3- الفیاض: فیه أن هذا الاحتمال ضعیف جدا، ولا منشأ له أصلا، وذلک لأن النذر اذا تعلق بالجامع الانتزاعي وهو عنوان أحدهما، کما اذا قبل: (لله عليّ أن أصوم یوم الجمعة الفلانیة، أو اتصدق للفقیر) فلا یخلو من أن یکون مرده الی نذر واحد متعلق بالجامع – کما هو الصحیح – أو إلی نذرین مشروطین، فعلی الأول یکون متعلق النذر الجامع دون الفرد بحده الفردي، بدون فرق بین أن یکون کلا الفردین مقدورا للناذر في مقام العمل والتطبیق خارجا، أو یکون أحدهما مقدورا له دون الآخر، وعلیه فلا یکون الفرد متعلقا للنذر حتی یحتمل بطلانه في صورة تعذر الآخر. وعلی الثاني یکون متعلقه الفرد بحده الفردي مشروطا بعدم الاتیان بالفرد الآخر، وهذا یعني ان وجوب الوفاء بکل منهما مشروط بعدم الاتیان بالآخر، واذا تعذر أحدهما تعین وجوب الوفاء بالآخر بتعین شرطه وامتناع انهدامه، ومن المعلوم أن ذلک لا یوجب خروجه عن الواجب المشروط الی الواجب المطلق لکي یقال ببطلان النذر وانتفائه بانتفاء متعلقه، بداهة أن انقلاب الواجب المشروط الی الواجب المطلق غیر معقول، لأنهما متقابلان بتقابل الماهیة لا بشرط والماهیة بشرط لا، وتحقق الشرط انما یوجب فعلیة المشروط لا انقلابه، والّا لزم الخلف.

فالنتیجة: انه علی کلا القولین في المسألة لا منشأ لهذا الاحتمال.

4- الفیاض: هذا الاشکال مبني علی أن الوجوب التخییري هو الوجوب المتعلق بکل من البدائل، ولکن مشروطا بترک البدائل الأخری، وعلی هذا فلابد أن یکون جمیع هذه البائل مقدورا، والّا فلا یمکن تعلق الوجوب بها ولو مشروطا. ولکن قد ذکرنا في علم الأصول أن مرد الوجوب التخییري لیس الی جعل وجوبات مشروطة بعدد البدائل مباشرة، بأن یکون وجوب کل منها مشروطا بترک الآخرین، بل مرده الی جعل وجوب واحد متعلق بالجامع الانتزاعي بینها، دون نفس البدائل، ولا یسري منه الیها ثانیا، بل السرایة قهرا أمر غیر معقول، لأن الوجوب أمر اعتباري وبید الشارع یجعله حیثما أراد، ولا یعقل تحققه بدون اعتباره وجعله، وعلیه فاذا جعله علی شيء یستحیل أن یسري بنفسه الی غیره، وعلی هذا فما ذکره الشهید1 في الدروس من المثال، فلا مانع من الالتزام بصحة النذر فیه، باعتبار أنه تعلق بالجامع وهو مقدور.

وبکلمة أخری: ان مرد الوجوب التخییري ان کان الی جعل وجوب واحد علی الجامع بین بدیلین، فلا یتوقف علی أن یکون کلا البدیلین مقدورا، بل یکفي کون أحدهما مقدورا دون الآخر، غایة الأمر یتعین حینئذ تطبیق الجامع علی المقدور، وإن کان مرده الی جعل وجوبین مشروطین لهما، فعندئذ لابد من أن یکون کلاهما مقدورا، وقد مر أن الصحیح هو الأول دون الثاني، ولکن الماتن قد بنی علی الثاني دون الأول، بقرینة أنه اعتبر في انعقاد النذر علی وجه التخییر التمکن من کلا البدیلین معا.

 

 

مسألة 24: إذا نذر أن يحجّ أو يزور الحسين علیهِ السَّلام من بلده ثمّ مات قبل الوفاء بنذره، وجب القضاء من تركته، ولو اختلف اُجرتهما يجب الاقتصار على أقلّهما  اُجرةً ، إلّا إذا تبرّع الوارث بالزائد، فلايجوز للوصيّ اختيار الأزيد اُجرةً وإن جعل الميّت  أمر التعيين إليه(1)، ولو أوصى باختيار الأزيد اُجرةً خرج الزائد من الثلث.

1- الفیاض: فیه ان الظاهر منه أنه یرجع الی الوصیة بالزیادة، علی أساس أن ما یخرج من الأصل هو أدنی وأقل فرد من الأجرة المتعارفة حسب مکانة الشخص، ولا یجوز اخراج الاکثر من الترکة الّا باجازة الورثة، وعلیه فاذا جعل المیت اختیار تعیین الأجرة زیادة أو نقیصة بید الوصي، فإن لم یرجع ذلک الی الوصیة بالزیادة لکان هذا الجعل لغوا، باعتبار أنه لا یحق للمیت تعیین الأجرة الزائدة من الأصل، فاذن لا محالة یرجع الی الوصیة بها، ویخرج مقدار الزیادة من الثلث، وعلی هذا فلا فرق بین التصریح باختیار الأزید وبین جعل الاختیار بید الوصي، غایة الأمر یجب علیه في الفرض الأول اختیار الأجرة الزائدة عملا بالوصیة، بأن یأخذ الزائد من الثلث، والأجرة المتعارفة من الأصل، وفي الفرض الثاني مخیر بین اختیارها واختیار أدنی فرد الأجرة المتعارفة.

فالنتیجة: انه لا فرق بین الفرضین، الّا أن الوصیة في الفرض الأول انما هي بالزیادة نصا، ولذا یجب العمل بها، وفي الفرض الثاني انما هي بالجامع بینها وبین الأجرة المتعارفة.

 

 

مسألة 25: إذا علم أنّ على الميّت حجّآ ولم‌يعلم أنـّه حجّة الإسلام أو حجّ النذر، وجب قضاؤه عنه (1) من غير تعيين وليس عليه كفّارة، ولو تردّد ما عليه بين الواجب بالنذر أو بالحلف وجبت الكفّارة أيضاً(2)، وحيث إنّها مردّدة بين كفّارة النذر وكفّارة اليمين، فلابدّ من الاحتياط(3) ويكفي حينئذٍ إطعام ستّين مسكيناً، لأنّ فيه إطعام عشرة أيضاً الّذي يكفي في كفّارة الحلف.

1- الفیاض: في الوجوب اشکال بل منع، والأظهر عدمه، أما في الحج النذري فلما مر من أنه لا دلیل علی وجوب قضائه عنه، وأما في حجة الإسلام فلا علم باشتغال ذمة المیت بها، لکي یجب قضاؤها عنه، ومقتضی الأصل العدم.

2- الفیاض: هذا اذا علم بأنه ترک الوفاء بالنذر أو الیمین عامدا وملتفتا الی الحکم الشرعي، وأما إذا احتمل انه کان معذورا في ذلک، فلا علم بثبوت الکفارة علیه. ثم علی تقدیر ثبوتها، فهل تخرج من الأصل، أو من الثلث؟ فیه قولان: الظاهر هو الثاني، وقد تقدم ذلک في ضمن البحوث السالفة، وقلنا هناک إنه لا دلیل علی خروجها من الأصل، لأن ما هو ثابت خروجه من الأصل بالدلیل هو الدین المالي علی ذمة المیت، ولا دلیل علی أن کل واجب مالي کالکفارات ونحوها خارج من الأصل ما عدا حجة الإسلام، فانها تخرج منه بالنص الخاص.

3- الفیاض: في اطلاقه اشکال بل منع، اذ لا موضوع للاحتیاط بناء علی ما قویناه من أن کفارة النذر هي کفارة الیمین، اذ حینئذ تکون في ذمة المیت کفارة واحدة، ویکفي اخراجها عنه إما من الثلث – کما هو الأقوی – أو من الأصل، وقد تقدم تفصیل ذلک في کتاب الصوم.

وأما بناء علی أن کفارة النذر غیر کفارة الیمین فتکونان متباینتین، لأن کفارة النذر تعلقت بالجامع بین اطعام ستین مسکینا، أو صوم شهرین متتابعین، أو عتق رقبة، وکفارة الیمین تعلقت بالجامع بین إطعام العشرة، أو کسوتهم، أو صیام عشرة أیام، وأما الإطعام فهو فرد من افراد الواجب، ولیس بوجوب لکي یکون أمره مرددا بین الأقل والاکثر، وعلی هذا فبناء علی القول بأنها تخرج من الثلث، فعلی الوصي الاحتیاط بمقتضی العلم الإجمالي، إما باطعام ستین مسکینا ناویا به فراغ ذمة المیت من إحدی الکفارتین، أو صیام شهرین متتابعین، أو الجمع بین کسوة عشرة مساکین والعتق. وأما علی القول بأنها تخرج من الأصل کما هو مختار السید الماتن فلا یمکن الاحتیاط لا بالجمع بین الکسوة والعتق، ولا بغیره، أما الأول فلأنه یستلزم التصرف في مال الورثة جزما، باعتبار أن ما في ذمة المیت اما العتق او الکسوة، فکلاهما غیر محتمل، وأما الثاني فلأن اخراج مؤنة إطعام ستین مسکینا من الترکة، أو أجرة صیام شهرین متتابعین منها یکون علی خلاف الاحتیاط، لاحتمال أن ذمة المیت مشغولة بما ینطبق علی اطعام عشرة مساکین، أو صیام عشرة أیام، والزائد تصرف في مال الورثة.

فالنتیجة: ان مقتضی العلم الإجمالي في المقام وإن کان الاحتیاط، الّا أنه في المقام لا یمکن، إما من جهة استلزامه المخالفة القطعیة العملیة، أو خلاف الاحتیاط. وعلی هذا فهل یمکن الرجوع الی القرعة لتعیین اشتغال ذمة المیت بها، أو لا؟ الظاهر أنه لا یمکن، فان المقام لیس من موارد الرجوع الیها، وذلک لأن روایات القرعة بتمام اصنافها لا تعم المقام، فان موردها إما دعوی النسب واشتباهها، أو العبد المعتق المشتبه بین عبدین أو أکثر، أو دعوی المال، أو اشتباه الشاة الموطوءة بین الشیاه، وشيء منها لا ینطبق علی المقام. نعم قد ورد في بعض الروایة: «ان في کل مجهول قرعة» وهو بعمومه یشمل المقام، ولکنه ضعیف سندا، فلا یمکن الاعتماد علیه، وعلی هذا فبما أن الاحتیاط في المسألة بمقتضی العلم الإجمالي لا یمکن، والدلیل اللفظي غیر موجود فیها حتی نرجع الیه، فلابد من الرجوع الی الأصول الأخری.

وأما أصالة البراءة عن وجوب کلتا الکفارتین فهي لا تجري لسقوطها في اطراف العلم الإجمالي بالمعارضة الداخلیة بین أفرادها، وکذلک استصحاب عدم وجوبهما. وأما بالنسبة إلی تعلق حق المیت بالمقدار الزائد علی المتیقن فلا یمکن الرجوع الی الأصل العملي فیه أیضا بدون فرق بین القول بأن مقدار حق المیت من الترکة یظل باقیا في ملکه ولا ینتقل الی الورثة، والقول بانتقاله الیهم ولکن متعلقا لحقه.

اما علی القول الأول، فان الولي أو الوصي وإن کان یشک في المسألة أن الباقي في ملک المیت من الترکة هل هو ما یوازي أدنی فرد الجامع بین الخصال الثلاث الأولی، أو ما یوازي أدنی فرد الجامع بین الخصال الثلاث الثانیة؟ الّا أن استصحاب بقاء الأول في ملکه لا یجري الّا علی نحو مثبت، لأنه لا یثبت أن ذمته مشغولة بالجامع بین الخصال الثلاث الأولی حتی ینحل العلم الإجمالي به حکما، فمن أجل ذلک لا أثر له.

واما علی القول الثاني، وهو أن الترکة جمیعا تنتقل الی الورثة، غایة الأمر یبقی ما یوازي دین المیت من الترکة متعلقا لحقه، ففي مثل ذلک وإن کان في مفروض المسألة مقدار ما یوازي نفقات أدنی فرد الجامع بین الخصال الثلاث الثانیة متعلقا للحق جزما، والزائد علیه مشکوک فیه، ولکن مع ذلک لا یمکن الرجوع الی أصالة البراءة عنه، لأنها لا تثبت أن ذمته مشغولة بالجامع بین الخصال الثلاث الثانیة حتی یترتب علیه انحلال العلم الإجمالي حکما.

فالنتیجة: انه لا یمکن الرجوع في المسألة لا الی أصالة الاحتیاط ولا الی الأصول المؤمنة، فاذن لابد فیها من التراضي والتصالح مع الورثة. وبه یظهر حال ما في المتن.

 

 

مسألة 26: إذا نذر المشي في حجّه الواجب عليه أو المستحبّ، انعقد مطلقاً حتّى في مورد يكون الركوب أفضل، لأنّ المشي في حدّ نفسه أفضل من الركوب بمقتضى جملة من الأخبار وإن كان الركوب قد يكون أرجح لبعض الجهات(1)، فإنّ أرجحيّته لاتوجب زوال الرجحان عن المشي في حدّ نفسه، وكذا ينعقد لو نذر الحجّ ماشياً مطلقاً ولو مع الإغماض عن رجحان المشي ، لكفاية رجحان أصل الحجّ في الانعقاد، إذ لايلزم أن يكون المتعلّق راجحاً بجميع قيوده وأوصافه؛ فما عن بعضهم من عدم الانعقاد في مورد يكون الركوب أفضل، لا وجه له، وأضعف منه دعوى الانعقاد في أصل الحجّ لا في صفة المشي فيجب مطلقاً، لأنّ المفروض نذر المقيّد فلا معنى لبقائه مع عدم صحّة قيده.

 

1- الفیاض: کما اذا کان الرکوب له في الطریق وقطع المسافة به موجبا لإتاحة الفرصة للدعاء والعبادات أکثر من قطعها بالمشي، وحینئذ یکون الرکوب أفضل، کما نص علیه صحیح سیف التمار (الوسائل باب: 33 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 5)، والّا فالمشي أفضل منه، کما نصت علیه مجموعة من الروایات الأخری.

 

 

مسألة 27: لو نذر الحجّ راكباً انعقد ووجب، ولايجوز حينئذٍ المشي وإن كان أفضل ، لما مرّ من كفاية رجحان المقيّد دون قيده؛ نعم، لو نذر الركوب في حجّه في مورد يكون المشي أفضل، لم‌ينعقد(1) ، لأنّ المتعلّق حينئذٍ الركوب لا الحجّ راكباً؛ وكذا ينعقد لو نذر أن يمشي بعض الطريق من فرسخ في كلّ يوم أو فرسخين، وكذا ينعقد لو نذر الحجّ حافياً؛ وما في صحيحة الحذّاء من أمر النبيّ صلّی الله علیهِ وآله بركوب اُخت عقبة بن عامر مع كونها ناذرة أن تمشي إلى بيت اللّه حافيةً، قضيّة في واقعة(2) يمكن أن يكون لمانع من صحّة نذرها، من إيجابه كشفها أو تضرّرها أو غير ذلک .

1- الفیاض: فیه أن مجرد کونه أفضل من الرکوب لا یوجب بطلان النذر، وعدم انعقاده فیه اذا کان في نفسه راجحا وإن کان المشي أرجح منه، لأن المعیار في صحة النذر انما هو برجحان متعلقه في نفسه، والمفروض ان الرکوب للحج في نفسه راجح، کما یظهر ذلک من جملة من الروایات:

منها: موثقة رفاعة قال: «سأل أبا عبد الله رجل: الرکوب أفضل أم المشي؟ فقال: الرکوب أفضل من المشي، لأن رسول الله6 رکب»(الوسائل باب: 33 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 1).

ومنها: قوله في صحیحة سیف التمار: «ترکبون أحبّ إليّ، فان ذلک أقوی علی الدعاء والعبادة» (الوسائل باب: 33 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 5). ومنها غیر ذلک.

فالنتیجة: انه لا شبهة في أن الرکوب للحج راجح في نفسه، ومعه لا مانع من صحة نذره.

2- الفیاض: فیه ان حمل الصحیحة علی أنها وردت في قضیة شخصیة لا اطلاق لها خلاف الظاهر جدا، فان الظاهر من مجموعها أنها في مقام بیان الحکم الکلي، وإلیک نصّها: «قال: سألت أبا جعفر: عن رجل نذر أن یمشي الی مکة حافیا؟ فقال: إن رسول الله6 خرج حاجا فنظر الی امرأة تمشي بین الإبل، فقال: من هذه؟ فقالوا: أخت عقبة بن عامر، نذرت أن تمشي الی مکة حافیة، فقال رسول الله6: یا عقبة انطلق الی أختک فمرها فلترکب، فان الله غنی عن مشیها وحفاها، قال: فرکبت»(الوسائل باب: 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 4) فانها ظاهرة في عدم وجوب الوفاء بنذر المشي للحج حافیا، لأن الاستشهاد بقول رسول الله6 انما هو لبیان ذلک،لا أن ما صدر منه6 حکم شخصي في مورد خاص لسبب من الأسباب، والّا فلا یرتبط الجواب بالسؤال أصلا، وهو خلاف الظاهر، ولا یمکن حمل الجواب فیها علی الاستدراک وبقاء السؤال بدون جواب، فانه بحاجة الی قرینة.

فالنتیجة: انه لا شبهة في أن الصحیحة سؤالا وجوابا ظاهرة بیان الحکم الکلي، نعم لو کان الاستشهاد بقول الرسول ابتداء بدون کونه مسبوقا بالسؤال عن حکم المسألة في الشریعة المقدسة لأمکن حمله علی حکم في مورد خاص لسبب أو آخر.

والصحیح في الجواب أمران:

أحدهما: ان الظاهر من الصحیحة کون متعلق النذر المشي حافیا إلی مکة، لا الحج حافیا، ولا دلیل علی أنه محبوب في نفسه، لأن الروایات التط تنص علی أن المشي محبوب لا اطلاق لها من هذه الناحیة، باعتبار أنها مسوقة لبیان أنه أفضل من الرکوب، ولا تدل علی أن کل حصة منه محبوبة، فان القدر المتیقن منها أن الحج حافیا محبوب بکل حصصه، وأما المشي حافیا فلا دلیل علی أنه محبوب في نفسه، وعلی هذا فاذا نذر الحج حافیا صح، وأما إذا نذر المشي حافیا الی مکة فلا دلیل علی صحته، فان رجحان المشي حافیا في نفسه غیر معلوم حتی یحکم بصحة نذره.

والآخر: أنها معارضة بصحیحة رفاعة وحفص: «سألنا أبا عبد الله عن رجل نذر أن یمشي الی بیت الله حافیا؟ قال: فلیمش، فاذا تعب فلیرکب»(الوسائل باب: 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 10) فانها تدل علی صحة نذر المشي حافیا الی بیت الله الحرام، ووجوب الوفاء به، ولا یمکن الجمع بینهما بحملها علی الاستحباب بقرینة الصحیحة الأولی الناصة في البطلان، وذلک لأنه لا معنی لحمل الأمر بالوفاء بالنذر علی الاستحباب، فان النذر إن کان صحیحا وجب الوفاء به، والّا فلا، وبما أن الصحیحة الأولی تدل علی بطلانه، والثانیة تدل علی صحته، فلا یمکن الجمع بینهما عرفا، فاذن یسري التعارض إلی دلیل الحجیة، فتسقطان معا من جهة المعارضة، فیرجع حینئذ إلی الأصل العملي في المسألة، ومقتضاه عدم وجوب الوفاء به، ولا یمکن التمسک بعموم وجوب الوفاء بالنذر، للشک في أن متعلقه راجح أو لا، ومن المعلوم أن عموم وجوب الوفاء به لا یثبت أنه راجح، فلذلک یکون التمسک به من التمسک بالعام في الشبهة المصداقیة.

 

 

 

مسألة 28: يشترط في انعقاد النذر ماشياً أو حافياً تمكّن الناذر وعدم تضرّره بهما، فلو كان عاجزاً أو كان مضرّاً ببدنه  لم‌ينعقد؛ نعم، لا مانع منه(1)  إذا كان حرجاً لايبلغ حدّ الضرر(2)، لأنّ رفع الحرج  من باب الرخصة(3)  لا العزيمة ، هذا إذا كان حرجيّاً حين النذر وكان عالماً به؛ وأمّا إذا عرض الحرج بعد ذلک، فالظاهر كونه مسقطاً للوجوب.

1- الفیاض: في اطلاقه اشکال بل منع، لأن العمل اذا کان حرجیا حین النذر، ولکن لم یبلغ حرجه الی حد الحرمة، فحینئذ إن کان محبوبا في نفسه حتی في هذه الحالة – کالوضوء الحرجي مثلا إذا لم یبلغ حرجه الی درجة خطیرة یحرم ارتکابه – فلا مانع من الحکم بصحة نذره، ووجوب الوفاء به، ولا یکون مشمولا للقاعدة، لانصرافها عرفا الی الأحکام التي لا تکون متعلقاتها حرجیة بطبعها وان حرجیتها أمر تصادفي بسبب أو آخر، کما هو الحال في قاعدة لا ضرر، فانها ناظرة الی الأحکام التي لا تکون متعلقاتها ضرریة بطبعها، ولا تعم الأحکام المجعولة في موارد الضرر، ومن هنا یصح الوضوء الضرري اذا کان ضرره یسیرا لا یحرم ارتکابه شرعا، باعتبار استحبابه النفسي، واذا نذر هذا الوضوء فلا مانع من وجوب الوفاء به، ولا یمکن نفیه بقاعدة لا ضرر، لأنه حکم مجعول في مورده، وأما إذا لم یحرز کونه محبوبا في نفسه حتی في هذه الحالة لم یحکم بصحة نذره، ومن هنا یظهر أن الحرج اذا کان طارئا بعد النذر وحین العمل فهو رافع لوجوبه وکاشف عن عدم انعقاده علی أساس أن متعلقه لم یکن حرجیا بطبعه، وإنما طرأ علیه الحرج اتفاقا، ومثل ذلک یکون مشمولا للقاعدة، لأنها کما تعم الأحکام الأولیة المجعولة من قبل الله تعالی ابتداء، تعم الأحکام الثانویة المجعولة من قبله تعالی في المرتبة الثانیة، کوجوب الوفاء بالنذور والعهود والشروط والأیمان ونحوها.

2- الفیاض: بل وان حد الضرر ما دام لم یبلغ درجة خطیرة یحرم ارتکابه، اذ لا دلیل علی أن ارتکاب مطلق الضرر محرم، فالنتیجة ان الحرج اذا بلغ تلک الدرجة یحرم ارتکابه شرعا، ولا شبهة في بطلان نذره حینئذ، لا من جهة وجود الضرر، بل من جهة الحرمة الشرعیة، وإن لم یبلغ تلک الدرجة ففیه تفصیل قد مر.

3- الفیاض: هذا واضح، اذ لا شبهة في أن مفاد لا حرج نفي الإلزام والضیق، واثبات الترخیص والتسهیل علی الأمة امتنانا، ولا یحتمل أن یکون من باب العزیمة، لأنه إن ارید من العزیمة الحرمة التکلیفیة، فیرد علیه أنها مبنیة علی أن تکون کلمة (لا) في لا حرج ناهیة لا نافیة، مع أنها نافیة. وإن أرید من العزیمة أنه لا یجوز ایقاع نفسه في الحرج، فقد مر أنه یختلف باختلاف درجته، فان کانت یسیرة فلا بأس بالوقوع فیها، وإن کانت خطیرة لم یجز.

 

مسألة 29: في كون مبدأ وجوب المشي أو الحفاء بلد النذر أو الناذر أو أقرب البلدين إلى الميقات أو مبدأ الشروع في السفر أو أفعال الحجّ، أقوال؛ والأقوى أنـّه تابع للتعيين(1) أو الانصراف، ومع عدمهما فأوّل أفعال الحجّ إذا قال: للّه علىّ أن أحجّ ماشياً، ومن حين الشروع في السفر إذا قال: للّه علىّ أن أمشي إلى بيت‌اللّه، أو نحو ذلک كما أنّ الأقوى أنّ منتهاه مع عدم التعيين رمي الجمار، لجملة من الأخبار ، لاطواف النساء كما عن المشهور، ولا الإفاضة من عرفات كما في بعض الأخبار.

 

1- الفیاض: هذا هو الصحیح، لأن النذر یتبع قصد الناذر في المبدأ والمنتهی، أما في الأول، فإن قصد المشي من بلدته فمبدؤه منها، وإن قصد من المیقات فمبدؤه منه، وهکذا، وأما في الثاني، فان قصد الی بلد مکة انتهی بالوصول الیه، وإن قصد الی عرفة وجب المشي الیها، وإن قصد الی الجمرة فکذلک، وهکذا.

وأما اذا لم یقصد موضعا معینا لا بحسب المبدأ ولا المنتهی، وانما قصد معنی اللفظ وظهوره، فعندئذ یتبع المبدأ والمنتهی ظهور اللفظ سعة وضیقا، وهذا هو مقتضی القاعدة.

واما بحسب الروایات، فقد ورد في جملة منها: أن منتهاه رمي الجمرة.

منها: صحیحة الحلبي: «انه سأل أبا عبد الله عن الماشي متی ینقضي مشیه؟

قال: إذا رمی الجمرة وأراد الرجوع فلیرجع راکبا فقد انقضی مشیه، وإن مشی فلا بأس»(الوسائل باب: 35 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 5).

ومنها: صحیحة جمیل قال: «قال أبو عبد الله: اذا حججت ماشیا ورمیت الجمرة فقد انقطع المشي»(الوسائل باب: 35 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 2) ومنها غیرهما.

وفي مقابلهما صحیحة یونس بن یعقوب قال: «سدلت أبا عبد الله: متی ینقطع مشي الماشي؟ قال: إذا افضت من عرفات»(الوسائل باب: 35 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 6) فانها تدل علی أن حد المشي الی حین الافاضة.

ودعوی: إن المشهور قد أعرضوا عن صحیحة یونس، ولذا لا یعرف قائل بها، فمن أجل ذلک لا تکون حجة.

مدفوعة: نظریة وتطبیقیة کما مرت الإشارة الیه في أکثر من مناسبة، فاذن تقع المعارضة بینهما، فان الطائفة الأولی تنص علی أن المشي ینتهي برمي الجمرة، والثانیة تنص علی أنه ینتهي بالافاضة من عرفات، وتسقطان معا في مورد المعارضة، وهو المشي من عرفات الی الجمرة، فان الأولی تدل علی وجوب المشي الی الجمرة، والثانیة تدل علی عدم وجوبه، وکفایة المشي الی حین الإفاضة منها، وعلی هذا فلم یثبت وجوب المشي الی رمي الجمرة، والثابت انما هو وجوبه الی حین الافاضة، حیث لا معارضة بینهما في وجوب المشي الی وقت الافاضة، وانما المعارضة بینهما في الزائد.

وإن شئت قلت: ان صحیحة یونس بما أنها في مقام التحدید، فلها دلالة ایجابیة، ودلالة سلبیة، أما الأولی فهي دلالتها علی وجوب المشي الی حد الافاضة من عرفات، واما الثانیة فهي دلالتها علی انقطاعه وانتهائه بها، وکذلک الطائفة الأولی من الروایات، فالمعارضة انما هي بین الدلالة السلبیة من الصحیحة والدلالة لا یجابیة من الطائفة الأولی، فتسقطان، فالمرجع هو الصحیحة في مدلولها الایجابي، وهو وجوب الوفاء بنذر المشي الی وقت الافاضة من عرفات، ومقتضی اطلاقه عدم الفرق بین أن یکون الناذر ناویا المشي الی الجمرة، أو إلی طواف الحج، أو لا، وأما حمله علی أنه في مقام تحدید النذر المجمل، وهو الذي لم یقصد الناذر تعیینه کما ولا کیفا، فانه بعید، وبحاجة الی قرینة، ولعل تحدید المشي المنذور الی زمن الإفاضة من عرفات في الصحیحة انما هو بنکتة أن عرفات هي الحد الأقصی للمسافة من بلدته الناذر، وکیف کان فلا مانع من الالتزام بظاهرها وإن کان علی خلاف قصد الناذر، ولکن مع ذلک فالأحوط والأجدر به أن لا یرکب الی الجمرة.

 

مسألة 30: لايجوز لمن نذر الحجّ ماشياً أو المشي في حجّه أن يركب البحر، لمنافاته لنذره، وإن اضطرّ إليه لعروض المانع من سائر الطرق سقط نذره(1) ، كما أنـّه لو كان منحصراً فيه من الأوّل لم‌ينعقد؛ ولو كان في طريقه نهر أو شطّ لايمكن العبور إلّا بالمركب، فالمشهور أنـّه يقوم فيه(2)، لخبر السكوني، والأقوى عدم وجوبه ،لضعف الخبر عن إثبات الوجوب؛ والتمسّک بقاعدة الميسور لا وجه له، وعلى  فرضه فالميسور هو التحرّک لا القيام.

1- الفیاض: بل بطل، فان اضطراره الی الرکوب في السفینة کاشف عن أنه لم یکن قادرا علی الحج ماشیا في الواقع، ومع عدم القدرة علیه کذلک کان نذره باطلا من الأول، باعتبار أن صحته مرتبطة بکون العمل المنذور مقدور للناذر في ظرفه، لا أنه وقع صحیحا ولکن حین الاضطرار سقط أمره، کما هو ظاهر المتن، فانه لا یرجع الی معنی محصل، لأن التمکن منه في الواقع لا یخلو من أن یکون شرطا في صحته أو لا، فعلی الأول لا شبهة في بطلانه وعدم انعقاده من البدایة، باعتبار أنه فاقد للشرط، وعلی الثاني فلازمه صحته، وهذا کما تری، بداهة أنه لا یمکن الحکم بصحة النذر للعمل غیر المقدور في الواقع في ظرفه.

2- الفیاض: فیه اشکال بل منع، أما أولا: فلأن من نذر المشي في الحج، أو الحج ماشیا فبطبیعة الحال یکون نظره الی ما عدا العبور من الشطوط والأنهار الموجودة في الطریق، ویکون المنذور من الأول حصة خاصة من المشي.

وثانیا: ان نظره وإن لم یکن إلی ذلک حین النذر، بأن یکون غافلا أو جاهلا، ولا یدري بوجودها في الطریق، الّا أنه لا شبهة في أن المنذور هو المشي علی الأرض ارتکازا دون الأعم منه ومن القیام في المرکب المار علی الشط أو النهر أو البحر في الطریق.

وثالثا: ان المنذور لو کان هو الحج ماشیا علی طول الطریق افقیا الی مکة المکرمة بالخطوات المتصلة، لکان ذلک کاشفا عن بطلانه من الأول، باعتبار أن المنذور حینئذ غیر مقدور له، لا أنه صحیح ولکن في حال العبور عن الشط أو النهر بالمرکب في الطریق یقوم فیه بدلا عن المشي تطبیقا لقاعدة المیسور، فان هذه القاعدة لو تمت. نظریة فلا یمکن تطبیقها علی العمل المنذور في المقام، لأنه إن کان مقدورا صح النذر، والّا بطل، فلا موضوع لها، ولا یمکن الحکم بصحته في هذه الحالة والانتقال الی بدله بعنوان المیسور منه تطبیقها لهذه القاعدة.

وأما روایة السکوني: «أن علیا7 سئل عن رجل نذر أن یمشي الی البیت، فعبر في المعبر؟ قال: فلیقم في المعبر قائما حتی یجوزه»(الوسائل باب: 37 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 1) فهي وإن کانت تامة دلالة، الّا أنها ضعیفة سندا، فان في سندها النوفلي، وهو لم یثبت توثیقه غیر وروده في رجال اسناد کامل الزیارات، وهو لا یکفي.

 

 مسألة 31: إذا نذرالمشي فخالف نذره فحجّ راكباً، فإن كان المنذور الحجّ ماشياً من غير تقييد بسنة معيّنة، وجب عليه الإعادة ولاكفّارة، إلّا إذا تركها  أيضاً ، وإن كان المنذور الحجّ ماشياً في سنة معيّنة فخالف وأتى به راكباً وجب عليه القضاء (1) والكفّارة، وإذا كان المنذور المشي في حجّ معيّن وجبت الكفّارة دون القضاء، لفوات‌محلّ النذر. والحجّ صحيح  في جميع ‌الصور، خصوصاً الأخيرة(2)، لأنّ النذر لايوجب شرطيّة المشي في أصل الحجّ، وعدم الصحّة من حيث النذر لايوجب عدمها من حيث الأصل، فيكفي في صحّته الإتيان به بقصد القربة. وقد يتخيّل البطلان من حيث إنّ المنويّ وهو الحجّ النذريّ لم‌يقع، وغيره لم‌يقصد؛ وفيه أنّ الحجّ في حدّ نفسه مطلوب وقد قصده في ضمن قصد النذر، وهو كافٍ؛ ألاترى أنـّه لو صام أيّاماً بقصد الكفّارة ثمّ ترک التتابع، لايبطل الصيام في  الأيّام السابقة أصلا(3) وإنّما تبطل من حيث كونها صيام كفّارة؟ وكذا إذا بطلت صلاته لم‌تبطل قرائته وأذكاره (4) الّتي أتى بها من حيث كونها قرآناً أو ذكراً. وقد يستدلّ للبطلان إذا ركب في حال الإتيان بالأفعال، بأنّ الأمر بإتيانها ماشياً موجب للنهي عن إتيانها راكباً؛ وفيه منع كون الأمر بالشيء نهياً عن ضدّه، ومنع استلزامه البطلان على القول به(5)، مع أنـّه لايتمّ فيما لو نذر الحجّ ماشياً مطلقاً من غير تقييد بسنة معيّنة ولا بالفوريّة، لبقاء محلّ الإعادة.

1- الفیاض: في الوجوب اشکال بل منع، ولا دلیل علیه الّا في نذر الاحجاج – کما مر -.

2- الفیاض: بل الأولی، حیث ان الاشکال الموهم في الثانیة والأخیرة لا یوهم في الأولی، باعتبار أنه في الصورة الأولی إذا حجّ راکبا صح حجه ولا شيء علیه، لأن الوفاء بنذره بما أنه غیر مقید بسنة معینة فلا یکون في ترکه في هذه السنة إثم ولا کفارة. ومن هنا یظهر أن تعبیر الماتن بمخالفه النذر والإعادة في هذه الصورة مبني علی المسامحة، اذ لا مخالفة للنذر فیها ولا اعادة للحج المنذور، لأن ما أتی به من الحج لا یرتبط بالحج المنذور حتی یکون الاتیان به اعادة له، فلذلک لا اشکال في صحة الحج في هذه الصورة.

وأما في الصورة الأخیرة، وهي ما اذا نذر المشي في حج معین ذاتا کحجة الإسلام، أو عرضا کالحج في سنة معینة، فاذا حج راکبا فقد یستشکل في صحته، بدعوی أن ما یکون مقصوده کحجة الإسلام ماشیا لم یتحقق، وما تحقق وهو حجة الإسلام راکبا لم یکن مقصودا له، فمن أجل ذلک لم یصح تطبیقا لقاعدة أن ما قصد لم یقع، وما وقع لم یقصد، هذا.

ولکن من الواضح أن هذا الاشکال نشأ من الخلط في تطبیق هذه القاعدة علی المقام رغم أنه لیس من عناصرها، فان من عناصر هذه القاعدة ما اذا کان المنذور الحج المقید، والفرد المأتي به في الخارج هو غیر المقید، فاذن ما یکون مقصودا لم یقع، وما وقع لم یکن مقصودا، وأما في المقام فلا یکون المنذور الحج المقید بالمشي حتی یکون من افراد القاعدة، بل المنذور المشي في حج خاص کحجة الإسلام – مثلا – فیکون الحج ظرفا للمشي المنذور فیه، لا أنه قید له، وعلی هذا فکل من الظرف والمظروف مقصود، فکما أن المشي مقصود في ذلک الحج الخاص، فکذلک الحج مقصود. نعم لو مشی في حج آخر غیر ذلک الحج لکان من عناصر القاعدة، وأما إذا أتی بالحج کحجة الإسلام راکبا فقد أتی بما هو مقصود له مستقلا، لا أنه مقصود له ضمنا، فانه مبني علی أن یکون المشي المنذور فیه قیدا للحج، وأما إذا کان مظروفا والحج ظرفا له – کالقنوت في الصلاة – فالمقصود بالذات هو الحج سواء وفي بنذره أیضا في ضمنه أم لا، وهذا نظیر ما اذا نذر القنوت في الصلاة.

وأما في الثانیة، فقد یقال کما قیل: ان الحج راکبا منهي عنه بمقتضی أن الأمر بشيء یقتضي النهي عن ضده، فاذا کان المنذور الحج المقید بالمشي في سنة معینة، فاذا حج فیها راکبا فهو منهي عنه، والنهي عن العبادة یقتضي الفساد وإن کان غیریا.

وقد أجاب السیّد الماتن عن ذلک: أولا: بأن الأمر بشيء لا یقتضي النهي عن ضده. وثانیا: علی تقدیر تسلیم أنه یقتضي النهي عنه، الّا أنه لما کان غیریا فلا یستلزم الفساد، باعتبار أنه لا یکشف عن مبغوضیة متعلقة، فاذن لا مانع من الحکم بالصحة.

وفیه: انه لا یمکن الحکم بصحة الضد الّا علی القول بالترتب وإن قلنا بأن الأمر بشيء لا یقتضي النهي عن ضده – کما هو الصحیح – فإنه لا شبهة في أنه یقتضي عدم الأمر به، علی أساس استحالة الأمر بالضدین معا، فاذا لم یکن الضد متعلقا للأمر فلا یمکن الحکم بالصحة، لأن الحکم بها یتوقف اما علی وجود الأمر به الکاشف عن وجود الملاک فیه الذي هو حقیقة الأمر وروحه، أو علی احراز اشتماله علی الملاک، وحیث انه لا أمر به فلا طریق لنا الی احراز اشتماله علیه والطریق الآخر غیر موجود، فمن أجل ذلک لا یمکن الحکم بالصحة.

وأما ما ذکره الماتن من أن النهي الغیري لا یکشف عن مبغوضیة متعلقة، وإن کان صحیحا، الّا أن ذلک لا یکفي في الحکم باصحة، بل هو یتوقف علی احراز الملاک فیه، ولا طریق الی احرازه في هذه الحالة.

فالنتیجة: انه لا یمکن الحکم بالصحة الّا علی القول بالترتب.

3- الفیاض: الأظهر هو البطلان، فانها کما لا تقع کفارة باعتبار أن صحتها مشروطة بالتتابع، ومع الاخلال به تبطل، کذلک لا تقع مستحبة، لأنه بحاجة الی دلیل یدل علی الانقلاب، أي انقلاب الصوم الذي أتی به باسم الکفارة مستحبا عاما، ولا دلیل علی ذلک. وما دل علی استحباب الصوم استحبابا عاما لا یشمل هذا الصوم، لأن مورده الصوم المطلق الذي لیس له اسم خاص، وصوم الکفارة کغیره من انواع الصیام الخاصة له اسم خاص الممیز له شرعا، وهو عنوان التکفیر، فاذا صام المکلف صوم کفارة فلابد أن یکون باسمه الخاص، والّا لم یقع کفارة، واما اذا کان باسمه الخاص ولکن بطل من جهة عدم توفر شروطه، فلا یقع مصداقا للصوم المستحب العام، والّا فلازم هذا ان کل صوم خاص اذا بطل من جهة انتفاء شرطه وقع صوما مستحبا عاما، وهو کما تری. ومن هنا یظهر أن ما نحن فیه لیس من قبیل صیام أیام بقصد الکفارة ثم أخل بالتتابع، وجه الظهور أنه فیما نحن فیه کان قاصدا للحج راکبا من أول الأمر، ولم یأت به بداعي الوفاء بالنذر، وهذا بخلاف صوم الکفارة، فانه من الأول کان قاصدا اسمه الخاص الممیز له شرعا، ثم أخل بشرط من شروطه کالتتابع.

4- الفیاض: لا شبهة في بطلانهما بعنوان کونهما من أجزاء الصلاة وواجباتها، وأما بعنوان کونهما قرآنا وذکرا، فإن ارید بذلک ترتیب آثار قراءة القرآن والذکر علیهما، فیرده أن مبني علی أن قراءتهما کذلک مطلوبة في ضمن الصلاة بنحو تعدد المطلوب، ولکن الأمر لیس کذلک، فان قراءة القرآن أو الذکر وإن کانت مطلوبة في ضمن الصلاة، الّا أنها بنحو وحدة المطلوب، بمعنی أنها مطلوبة بعنوان واجبات الصلاة واجزائها، لا بعنوان قراءة القرآن، فاذا بطلت بهذا العنوان لم تقع مصداقا لقراءة القرآن أو الذکر. وإن أرید به أنها قرآن أو ذکر ذاتا، فیرد علیه أن کونها کذلک مما لا کلام فیه، بداهة أن من أتی بفاتحة الکتاب بنیة أنها من واجبات الصلاة قد أتی بالقرآن ذاتا، ولکن الکلام لیس في ذلک، وانما هو في أنه أتی بها بعنوان قراءة القرآن لکي تترتب علیها آثارها، أو لا، وقد مر أنه لم یأت بها کذلک، وانما أتی بها بعنوان أنها من واجبات الصلاة.

فالنتیجة: انه اذا بطلت صلاته لم تترتب علی قراءته وأذکاره آثار قراءة القرآن والذکر، فانهما من العناوین القصدیة کعنوان الصلاة.

5- الفیاض: تقدم أن صحة العبادة تتوقف علی وجود أحد عنصرین: الأول: وجود الأمر بها.

الثاني: وجود الملاک فیها. وفي المقام بما أنه لا أمر بها، لاستحالة الأمر بالضدین معا، فلا یمکن الحکم بصحتها من ناحیة الأمر بها، واما الملاک فلا طریق لنا الی احرازه فیها، فان سقوط الأمر عنها کما یمکن أن یکون من جهة وجود المانع، کذلک یمکن أن یکون من جهة عدم المقتضي له في هذه الحالة، وعلیه فصحتها تتوقف علی مسألة أخری وهي مسألة الترتب، فان قلنا بها حکم بصحتها علی أساس الأمر الترتبي، والّا فلا.

فالنتیجة: انه علی القول بعدم امکان الترتب لا یمکن الحکم بصحة الضد العبادي، بدون فرق في ذلک بین القول بالاقتضاء، والقول بعدمه.

 

مسألة 32: لو ركب بعضاً ومشى بعضآ فهو كما لو ركب الكلّ، لعدم الإتيان بالمنذور، فيجب عليه القضاء (1) أو الإعادة ماشياً(2)؛ والقول بالإعادة والمشي في موضوع الركوب ضعيف لا وجه له.

 

1- الفیاض: في الوجوب اشکال بل منع، لما مر من أنه لا دلیل علیه، وحینئذ فان کان متمکنا من الحج ماشیا، ومع هذا اذا رکب في بعض الطریق ومشی في بعضه الآخر، فقد خالف النذر، وعلیه الإثم والکفارة دون القضاء، وإن لم یکن متمکنا منه ماشیا وکان مقیدا بسنة معینة، کشف ذلک عن بطلانه من الأول.

2- الفیاض: هذا شریطة أن یکون نذره مطلقا وغیر مقید بسنة خاصة، والّا فلا موضوع للإعادة.

 

مسألة 33: لو عجز عن المشي بعد انعقاد نذره (1)لتمكّنه منه أو رجائه، سقط؛ وهل يبقى حينئذٍ وجوب الحجّ راكباً أو لا، بل يسقط أيضاً؟ فيه أقوال :

أحدها: وجوبه راكباً مع سياق بدنةٍ.

الثاني: وجوبه بلا سياق.

الثالث: سقوطه إذا كان الحجّ مقيّداً بسنة معيّنة، أو كان مطلقاً مع اليأس عن التمكّن بعد ذلک وتوقّع المكنة مع الإطلاق وعدم اليأس.

الرابع: وجوب الركوب مع تعيين السنة أو اليأس في صورة الإطلاق، وتوقّع المكنة مع عدم اليأس.

الخامس: وجوب الركوب إذا كان بعد الدخول في الإحرام، وإذا كان قبله فالسقوط مع التعيين، وتوقّع المكنة مع الإطلاق. و مقتضى القاعدة وإن كان هو القول الثالث(2)، إلّا أنّ الأقوى بملاحظة جملة من الأخبار هوالقول الثاني بعد حمل ما في بعضها من الأمر بسياق الهدي على الاستحباب بقرينة السكوت عنه (3) في بعضها الآخر مع كونه في مقام البيان، مضافاً إلى خبر عنبسة (4) الدالّ على عدم وجوبه صريحاً فيه؛ من غير فرق في ذلک بين أن يكون العجز قبل الشروع في الذهاب أو بعده وقبل الدخول في الإحرام أو بعده، ومن غير فرق أيضآ بين كون النذر مطلقاً أو مقيّدآ بسنة مع توقّع المكنة وعدمه وإن كان الأحوط(5) في صورة الإطلاق مع عدم اليأس من المكنة وكونه قبل الشروع في الذهاب الإعادة إذا حصلت‌المكنة بعد ذلک، لاحتمال‌انصراف‌ الأخبار عن ‌هذه‌الصورة(6)، والأحوط إعمال قاعدة الميسور أيضآ بالمشي بمقدار المكنة، بل لايخلو عن قوّة، للقاعدة(7)، مضافاً إلى الخبر: عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت‌الله حاجّاً، قال علیه السّلام: «فليمش، فإذا تعب فليركب»، ويستفاد منه كفاية الحرج والتعب في جواز الركوب وإن لم‌يصل إلى حدّ العجز؛ وفي مرسل حريز: «إذا حلف الرجل أن لايركب أو نذر أن لايركب فإذا بلغ مجهوده ركب».

1- الفیاض: فیه ان العجز الطارئ عن الوفاء بالعمل المنذور في وقته کاشف عن عدم انعقاده من الأول، لا أنه انعقد ولکن سقط وجوبه حین طرو العجز، لفرض أن صحة النذر مشروطة بتمکن الناذر من الاتیان به في ظرفه، والّا فهو باطل وغیر منعقد من الأصل.

2- الفیاض: هذا هو الصحیح، لدن النذر إن کان مقیدا بسنة خاصة فالعجز عن الوفاء به کاشف عن بطلانه وعدم انعقاد من الأول، وإن کان مطلقا فمع الیأس عن الوفاء به في المستقبل، کما اذا اصیب بمرض أو شیخوخة یمنعه عن القیام بالحج المباشر النذري فقد یقال بالتفصیل بین أن یکون العجز عن المشي قبل الإحرام أو بعده، فعلی الأول یکون نذره باطلا وغیر منعقد ولا شيء علیه، وعلی الثاني یجب علیه اتمام الحج والعمرة راکبا بمقتضی الآیة الشریفة، ولکن هذا الوجوب غیر وجوب الوفاء بالنذر ولا یجزی عنه، لأن وجوب الوفاء بالنذر قد سقط عنه بسقوط موضوعه وهو القدرة.

فالنتیجة: ان الساقط انما هو الأمر النذري المتعلق بالحج ماشیا للعجز، دون الأمر الحجيّ، فانه یجب علیه اتمام الحج راکبا.

والجواب: ان المکلف قد احرم للحج قاصدا به الوفاء بالنذر الممیز له شرعا، وقد تقدم في ضمن البحوث السالفة أن عنوان الوفاء بالنذر من العناوین القصدیة، وعلی هذا فاذا طرأ العجز عن اتمام الحج ماشیا کشف ذلک عن بطلان نذره وعدم انعقاده من الأول، فاذن لا یتمکن من اتمام احرامه بعنوان الوفاء بالنذر، وحینئذ فان کان الحج المنذور حجة الإسلام وجب علیه إتمام احرامه بنیة حجة الإسلام، لأنها واجبة علیه سواء أکان ناذرا لها أم لا.

وإن شئت قلت: ان الداعي للإتیان بها أمران:

أحدهما: الأمر المتعلق بها باسم حجة الإسلام.

والآخر: الأمر المتعلق بها بعنوان الوفاء بالنذر الذي هو في طول الأمر الأول، فاذا سقط الأمر الثاني بسبب العجز وبطل النذر ظل الأمر الأول ثابتا ومحرکا للمکلف نحو امتثاله، وإن کان المنذور الحج المستحب فطروّ المانع عن اتمامه کاشف عن بطلان النذر، ومعه بطل احرامه أیضا، واما صحة بعنوان الحج المستحب باستحباب عام، فهي بحاجة الی دلیل، علی أساس أن المکلف کان قاصدا حصة خاصة من الإحرام، وهي الاحرام بعنوان الوفاء بالنذر، والفرض أن هذه الحصة لم تقع في الخارج، واما وقوع حصة أخری منه ووجوب اتمامها فهو بحاجة الی دلیل، ولا دلیل علی وقوعها بدلا عنها، هذا نظیر ما اذا صلّی رکعتین بعنوان نافلة الصبح، ثم انکشف بطلانها، فانها لا تقع مستحبة باستحباب عام لانتفاء القصد. وعلی هذا فلا مجال للتمسک بالآیة الشریفة: (وَأَتِمُّوا اَلحَجَّ وَاَلعُمرَةَ لِلّهِ...) (البقرة آیة 196) لوضوح أن موضوع وجوب الاتمام هو الإحرام الصحیح. ومن هنا یظهر أنه لا فرق في العجز الطارئ بین أن یکون قبل الإحرام أو بعده، فانه کاشف عن بطلان النذر من الأول، وحینئذ إن کان الحج المنذور حجة الإسلام وجب الاتیان بها راکبا بملاک أمرها، وإن کان حجا مستحبا لم یجب علیه شيء.

فالنتیجة: انه لا أساس لهذا التفصیل المتمثل في القول الخامس، ومقتضی القاعدة هو القول الثالث، هذا کله حسب ما تقتضیه القاعدة.

واما الروایات في المسألة، فهي تصنف الی ثلاث طوائف:

الأولی: هي الروایات التي تنص علی وجوب الحج راکبا مع سوق بدنة.

منها: صحیحة الحلبي قال: «قلت لأبي عبد الله: رجل نذر أن یمشي الی بیت الله وعجز عن المشي، قال: فلیرکب ولیسق بدنة، فان ذلک یجزئ عنه اذا عرف الله منه الجهد»(الوسائل باب: 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 3).

ومنها: صحیحة ذریح المحاربي قال: «سألت أبا عبد الله عن رجل حلف لیحجنّ ماشیا فعجز عن ذلک فلم یطقه، قال: فلیرکب ولیسق الهدي»(الوسائل باب: 34 من أبواب وجوب الحج والشرائطه الحدیث: 2) فان موردها وإن کان الحلف الّا أنه لا خصوصیة له عرفا.

الطائفة الثانیة: تدل علی وجوب الحج راکبا مع سکوتها عن سوق الهدی.

منها: صحیحة رفاعة بن موسی قال: «قلت لأبي عبد الله: رجل نذر أن یمشي إلی بیت الله، قال: فلیمش، قلت: فانه تعب، قال: فاذا تعب رکب»(الوسائل باب: 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 1).

ومنها: صحیحة محمد بن مسلم قال: «سألته عن رجل جعل علیه مشیا الی بیت الله فلم یستطع، قال: یحج راکبا»(الوسائل باب: 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 9). ومثلها صحیحته الأخری.

الطائفة الثالثة: متمثلة في روایة عنبسة بن مصعب قال: «نذرت في ابن لي إن عافاه الله أن أحج ماشیا، فمشیت حتی بلغت العقبة، فاشتکیت فرکبت، ثم وجدت راحة فمشیت، فسألت أبا عبد الله عن ذلک، فقال: إني أحبّ إن کنت موسرا أن تذبح بقرة، فقلت: معي نفقة، ولو شئت أن أذبح لفعلت، فقال: إني أحب إن کنت موسرا أن تذبح بقرة، فقلت: أشيء واجب أفعله؟ قال: لا، من جعل لله شیئا فبلغ جهده فلیس علیه شيء»(الوسائل باب: 8 من أبواب کتاب النذر والعهد الحدیث: 5).

ثم إن هذه الروایة وإن کانت واضحة الدلالة علی عدم وجوب الهدي، وتصلح أن تکون قرینة علی رفع الید عن ظهور الطائفة الأولی في الوجوب، وحملها علی الاستحباب، الّا أنها ضعیفة سندا، اذ لم یثبت توثیق عنبسة بن مصعب غیر وروده في اسناد کامل الزیارات، وهو لا یکفي کما ذکرناه غیر مرة.

واما طائفة الثانیة فهي لا تصلح أن تکون قرینة علی رفع الید عن ظهور الطائفة الأولی في الوجوب، بل الأمر بالعکس، وأن الطائفة الأولی تصلح أن تکون قرینة علی رفع الید عن اطلاق الطائفة الثانیة، والنکتة في ذلک ما ذکرناه في علم الأصول، من أن الدلالة الناشئة من السکوت في مقام البیان بما أنها من أضعف مراتب الدلالات والظهورات فیتقدم علیها کل ظهور لفظي، وبما أن دلالة الطائفة الثانیة علی عدم وجوب سوق الهدي ناشئة من سکوت المولی في مقام البیان، فتصلح الطائفة الأولی أن تکون بیانا علی الوجوب، وهادمة للسکوت.

فالنتیجة: ان مقتضی الصناعة الفنیة هو الأخذ بالطائفة الأولی الدالة علی وجوب السوق دون الطائفة الثانیة والثالثة.

ثم إن الظاهر من الطائفة الأولی هو وجوب سوق البدنة، فانه مقتضی الصحیحة الأولی، وأما الصحیحة الثانیة فهي وإن کانت مطلقة من هذه الناحیة، الّا أنه لابد من رفع الید عن اطلاقها بقرینة الأولی، وحمل السوق فیها علی سوق البدنة، کما أن المراد من العجز فیها أعم من التکویني والتشریعي، وهو الحرج والمشقة بقرینة قوله في صحیحة رفاعة: «فانه تعب»(الوسائل باب: 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه الحدیث: 1).

3- الفیاض: ظهر أن الروایات الساکتة عن وجوب الهدي وهي الطائفة الثانیة لا تصلح أن تکون قرینة علی رفع الید عن ظهور الطائفة الأولی في الوجوب عرفا، بل الأمر بالعکس تماما کما عرفت، فاذن لا وجه لحمل الهدي فیها علی الاستحباب.

4- الفیاض: مر أنه ضعیف سندا فلا یمکن الاعتماد علیه.

5- الفیاض: بل الأظهر ذلک، لأن النذر اذا کان مطلقا وغیر مقید بوقت خاص، فاذا لم یتمکن في السنة الأولی ففي الثانیة وهکذا، اذ سقوط المشي ووجوب الحج راکبا بدلا عنه بحاجة الی دلیل، والروایات التي تدل علی أنه اذا عجز عن المشي حج راکبا تختص بما اذا شرع في السفر الی الحج ماشیا، ولا تعم ما اذا طرأ علیه العجز عن المشي قبل الشروع فیه.

6- الفیاض: بل لا شبهة في ظهور الأخبار في طرو العجز عن المشي بعد الشروع في سفر الحج، ولا تعم العجز الطارئ عنه قبل الشروع فیه.

7- الفیاض: لا أصل لها، فان الروایات التي تنص علیها بأجمعها ضعاف، ولا یمکن الاعتماد علی شيء منها.

مسألة 34: إذا نذر الحجّ ماشياً فعرض مانع آخر غير العجز عن المشي، من مرض أو خوفه أو عدوّ أو نحو ذلک، فهل حكمه حكم العجز فيما ذكر أو لا، لكون الحكم على خلاف القاعدة؟ وجهان؛ ولايبعد التفصيل (1) بين المرض ومثل العدوّ، باختيار الأوّل في الأوّل والثاني في الثاني وإن كان الأحوط الإلحاق مطلقاً.

1- الفیاض: بل هو بعید، لأن الظاهر من العناوین الخاصة الواردة في الروایات کعنوان التعب والعجز وعدم الاستطاعة عرفا هو عدم التمکن من الحج ماشیا، سواء أکان لإصابته بمرض أو شیخوخة، أم کان لوجود مانع في الطریق، أو خوف من عدو فیه.

فالنتیجة: ان المعیار انما هو بعجزه عن الحج ماشیا تکوینیا کان أن تشریعیا، کما اذا کان حرجیا علیه.


  

 
پاسخ به احکام شرعی
 
موتور جستجوی سایت

تابلو اعلانات

پیوندها

حدیث روز

امیدواری به رحمت خدا

عن ابى ذرالغفارى (رضى اللّه عنه) قال: قال النبى (صلى اللّه عليه و آله‏ و سلّم): قال اللّه تبارك و تعالى:

يابن آدم ما دعوتنى و رجوتنى اغفرلك على ما كان فيك و ان اتيتنى بقرار الارض خطيئة اتيتك بقرارها مغفرة ما لم تشرك بى و ان اخطات حتى بلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك.

اى فرزند آدم هر زمان كه مرا بخوانى و به من اميد داشته باشى تمام آنچه كه بر گردن توست مى‏بخشم و اگر به وسعت زمين همراه با گناه به پيش من آئى، من به وسعت زمين همراه با مغفرت به نزد تو مى‏آيم، مادامى كه شرك نورزى. و اگر مرتكب گناه شوى بنحوى كه گناهت به مرز آسمان برسد سپس استغفار كنى، ترا خواهم بخشيد.



کلیه حقوق مادی و معنوی این پورتال محفوظ و متعلق به حجت الاسلام و المسلمین سید محمدحسن بنی هاشمی خمینی میباشد.

طراحی و پیاده سازی: FARTECH/فرتک - فکور رایانه توسعه کویر -